عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

521

اللباب في علوم الكتاب

العدم إلى الوجود ، وذلك لأنّ اللّه - تعالى - هو الذي أخرج الإنسان من العدم إلى الوجود ؛ قال تعالى : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً [ الإسراء : 23 ] فأشار إلى أنه ليس بعد رعاية حقّ اللّه - تعالى - من شيء أوجب من رعاية حقّ الوالدين ؛ فلذلك قدمهما ، ثم الأقربين ؛ لأنّ الإنسان أعلم بحال الفقير القريب من غيره ؛ ولأنّه إذا لم يراع قريبه الفقير لاحتاج الفقير إلى الرجوع إلى غيره ، وذلك عار في حقّ قريبه الغنيّ .

--> - وعند الحنفية : في « تنوير الأبصار مع شرح الدر المختار » : هي الطعام ، والكسوة ، والسكنى ، وعرفا : هي الطعام . عند المالكية : في « شرح الخرشي على مختصر خليل » : النفقة مطلقا : ما به قوام معتاد حال الآدمي ، دون سرف . عند الحنابلة : في « الإقناع والمنتهى » : هي كفاية من يمونه ، خبزا ، وأدما ، وكسوة ، ومسكنا ، وتوابعها . اتفق الأئمة الأربعة على أنه يجب على الولد - ابنا أو بنتا - أن ينفق على أبيه ، وأمه المباشرين ، ويدلّ على ذلك الكتاب ، والسنة والإجماع ، والمعقول . 1 - أما الكتاب فمنه : أ - قوله تعالى : وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً ، ومن الإحسان : الإنفاق عليهما عند حاجتهما . ب - وقوله تعالى : وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً والإنفاق عليهما عند فقرهما من أحسن الإحسان . ج - وقوله تعالى : أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ والشكر للوالدين : المكافأة على بعض ما كان منهما إليه من التربية والبر ؛ وذلك بالقيام بأمرهما ، وإدرار النفقة عليهما حال عجزهما ، وحاجتهما ، فكان ذلك واجبا بأمره - سبحانه وتعالى - . د - وقوله تعالى : ولا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما فإنه يدل على النهي عن ترك الإنفاق عند الحاجة ؛ لما فيه من إيذاء أعظم من إيذاء التأفيف . وأما السنة فمنها : أ - قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه ، وإن ولده من كسبه » رواه الترمذي عن عائشة رضي اللّه عنها . وحسّنه . وهو صريح في أن مال الولد حلال طيب لوالده ؛ ومثله الوالدة ؛ إذ لا فرق ، بل إنها أولى ؛ فقد نص النبي صلى اللّه عليه وسلم على أنها أحق بحسن الصّحبة من الأب ، فالتقييد بالرجل لا مفهوم له . ب - قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ أولادكم هبة اللّه لكم يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور ، وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها » رواه البيهقي في السنن ، والحاكم في المستدرك ، عن عائشة - رضي اللّه عنها - ، وقال الحاكم : « حديث صحيح على شرط الشيخين » ، ودلالته على المقصود ظاهرة . 3 - وأما الإجماع ، فقد حكاه ابن المنذر ؛ فقال : « وأجمعوا على أن نفقة الوالدين اللّذين لا كسب لهما واجبة في مال الولد » . 4 - وأما المعقول ، فوجهان : أ - القياس على الولد بجامع البعضية ، والعتق ، ورد الشهادة ، بل الوالدان أولى من الأولاد ؛ لأن حرمتهما أعظم ، والولد بالتعهد ، أليق . ب - أنهما تسببا في إحياء الولد ، فاستوجبا عليه الإحياء ؛ جزاء وفاقا .