عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
522
اللباب في علوم الكتاب
فإن قيل : إنّه تعالى ذكر « الوالدين » ثمّ عطف عليه « الأقربين » والعاطف يقتضي المغايرة ، وذلك يدلّ على أن الوالدين لا يدخلون في مسمّى الأقربين ، فهو خلاف الإجماع ؛ لأنّه لو وقف على « الأقربين » حمل فيه الوالدين بغير خلاف . فالجواب : أنّ هذا من عطف العامّ على الخاصّ ؛ كقوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ [ الحجر : 87 ] فعطف القرآن على السبع المثاني ، وهي من القرآن ، وقال - عليه السّلام - « أفضل ما قلت أنا والنبيّون من قبلي . . . » « 1 » فعطف « النّبيّين » على قوله : « أنا » وهو من النبيين ، وذلك شائع في لسان العرب ، ثمّ ذكر بعدهم اليتامى ؛ لأنهم لصغرهم لا يقدرون على الاكتساب ، وليس لهم أحد يكتسب لهم ، فالطفل اليتيم : قد عدم الكسب ، والمكاسب ، وأشرف على الضياع ، ثم ذكر بعدهم المساكين ؛ لأنّ حاجتهم أقلّ من حاجة اليتامى ؛ لأنّ قدرتهم على التحصيل أكثر من قدرة اليتامى ، ثم ذكر ابن السبيل بعدهم ؛ لأنه بسبب انقطاعه عن بلده ، قد يحتاج ، ويفتقر ، فهذا أصحّ تركيب ، وأحسن ترتيب في كيفيّة الإنفاق ، ثم لمّا فصّل هذا التّفصيل الحسن الكامل ، أردفه بالاجمال ، فقال : « وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ » والعليم مبالغة في كونه عالما لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض ، ولا في السّماء . و « ما » هذه شرطية فقط ؛ لظهور عملها الجزم بخلاف الأولى . وقرأ « 2 » عليّ رضي اللّه عنه : « وما يفعلوا » بالياء على الغيبة ، فيحتمل أن يكون من باب الالتفات من الخطاب ، وأن يكون من الإضمار لدلالة السياق عليه ، أي : وما يفعل الناس . فصل في المراد بالخير قال أكثر العلماء : المراد ب « الخير » هو المال ؛ لقوله تعالى : وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ [ العاديات : 8 ] ، وقال : إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ [ البقرة : 18 ] . وقيل : المراد بالخير هذا الإنفاق ، وسائر وجوه البرّ ، والطاعة . فصل هل الآية منسوخة أم لا ؟ قال بعضهم : هذه الآية منسوخة بآية المواريث . وقال أهل التفسير : إنها منسوخة بالزكاة .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( 5 / 534 ) كتاب الدعوات باب في دعاء يوم عرفة حديث ( 3585 ) من طريق حماد بن أبي حميد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به . قال الترمذي : هذا حديث غريب من هذا الوجه وحماد بن أبي حميد هو محمد بن أبي حميد وهو أبو إبراهيم الأنصاري المديني وليس بالقوي عند أهل الحديث . ( 2 ) انظر الشواذ 20 ، والمحرر الوجيز 1 / 289 ، والبحر المحيط 2 / 151 ، والدر المصون 1 / 525 .