عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

520

اللباب في علوم الكتاب

فصل [ في أن اللّه تعالى رتّب الإنفاق ، فقدم الوالدين ] اعلم أنّه تعالى رتّب الإنفاق « 1 » ، فقدّم الوالدين « 2 » ، لأنّهما كالمخرج للمكلّف من

--> ( 1 ) قال الجوهري في الصحاح : « نفق البيع نفاقا ، بالفتح ، أي : راج ، والنّفاق بالكسر ، فعل المنافق ، والنّفاق أيضا ، جمع النفقة من الدراهم » - ثم قال : « وقد أنفقت الدراهم من النفقة ا ه » . وقال المجد في القاموس : « النّفقة : ما تنفقه من الدراهم ونحوها » ثم قال : « وأنفق : افتقر ، وماله : أفقده ، كاستنفقه . ا ه » . وقال ابن منظور في لسان العرب : « أنفق المال : صرفه » ، وفي التنزيل : « وإذا قيل لهم : أنفقوا مما رزقكم اللّه » ، أي ؛ أنفقوا في سبيل اللّه ، وأطعموا ، وتصدقوا ، واستنفقه : أذهبه ، والنّفقة . ما أنفق ، والجمع ، نفاق » - ثم قال : « وقد أنفقت الدراهم ، من النّفقة . والنّفقة : ما أنفقت ، واستنفقت على العيال ، وعلى نفسك . ا ه » . واقتضت حكمة اللّه - تعالى - في بني آدم ، أن يكون الرجل هو القائم بأمر المرأة ، والقائد لزمامها ؛ وذلك لما منحه اللّه - تعالى - من القوة ، وكمال العقل ، والقدرة على تحمل المصاعب ، وتجشم الآلام الناشئة عن متاعب الحصول على العيش ، وحفظ كيان الأسرة ، حتى تظل قائمة في هذا الكون ، مؤدية وظيفتها في عمارته ، ويشهد لذلك قول اللّه - تعالى - : الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ ، وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها » . وهذا يدلّ على أن المرأة يجب أن تكون رهن إشارة زوجها ، وطوع أمره ، فلا تعصي له أمرا ، ولا تمنعه حقا وجب له عليها ، وقد أمر - جلّ شأنه - المرأة بالقرار في بيت زوجها ، ومنعها الخروج منه ؛ حرصا على المحافظة على حقوق الرجل ؛ ومنعا لما قد يفسد نظام العائلة ، ويجرها إلى الخسارة . وإن المرأة أمام هذا الأوامر الإلهية ، التي يجب عليها أن تمتثلها ، وتنقاد إليها . تكون من غير شكّ عاجزة عن تحصيل قوتها ، وتدبير عيشها . . . وحينئذ فمن ذا الذي يقدّم لها من القوت ، ما يدفع عنها ألم الجوع ، ويحفظ حياتها ، ومن الثياب ما تتقي به قيظ الحر ، وزمهرير البرد ، ومن المسكن ما تأمن فيه على نفسها ومتاعها . . . فلو لم يوجب اللّه - جل شأنه - ذلك على الرجل لزوجته ، مع ما تقدّم من أمرها بملازمة بيته - لأدّى إلى هلاكها . هذا في المرأة التي في عصمة الزوج ، وأما المطلّقة ، فإن كانت رجعيّة ، فهي في حكم الزوجة ؛ لأن له مراجعتها متى شاء ، فليست مالكة لأمرها ، ولا متمكّنة من التكسب ، أو التزوج بغيره ، ما دامت في العدة ، وإن كانت بائنا ، ففيها تختلف الأنظار . فمن نظر إلى أنها محتبسة عن الزواج في العدة ؛ لعلاقة الزوجية السابقة ، أوجب لها النفقة والسكنى ، حاملا كانت أو حائلا . ومن نظر إلى أن هذا الاحتباس ، إنما هو حق للّه - تعالى - ، لم يوجب شيئا منهما ، حاملا كانت أو حائلا . ومن نظر إلى أن الحامل مشغولة الرحم بماء الزوج ، والحائل محتبسة لصيانة مائه ، أوجب للأولى السكنى والنفقة ؛ لأنّ اشتغال الرّحم بمائه ، ليس أقل شأنا من اشتغاله باستمتاعه السابق ، وأوجب للبائن السكنى ؛ لأن بها تتم صيانة الماء المذكور وحفظه ، ولم يوجب لها النفقة ؛ لأن احتباسها ليس لحقه ، وإنما هو لحق اللّه - تعالى - . واصطلاحا : عند الشافعية : قال الشرقاني في حاشيته على « شرح التحرير » : النفقة : طعام مقدّر لزوجة وخادمها على زوج ، ولغيرهما من أصل وفرع ، ورقيق ، وحيوان ما يكفيه . -