عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

494

اللباب في علوم الكتاب

وثانيها : قال الزّجّاج « 1 » : إنّ تأنيث الحياة ليس بحقيقي ؛ لأنّ معنى الحياة والعيش والبقاء واحد ، فكأنه قال : « زيّن للّذين كفروا البقاء » . وثالثها : قال ابن الأنباري « 2 » : إنما لم يقل زيّنت ؛ لأنه فصل بين « زيّن » وبين الحياة الدنيا بقوله : « للذين كفروا » ، وإذا فصل بين فعل المؤنث ، وبين الاسم بفاصل حسن تذكير الفعل ؛ لأنّ الفاصل يغني عن تاء التأنيث ، وقرأ مجاهد وأبو حيوة : « زيّن » مبنيا للفاعل ، و « الحياة » مفعول ، والفاعل هو اللّه تعالى عند الأكثرين ، وعند الزجاج والمعتزلة يقولون : إنه الشيطان . وقوله : « يسخرون » يحتمل أن يكون من باب عطف الجملة الفعلية على الجملة الفعلية ، لا من باب عطف الفعل وحده على فعل آخر ، فيكون من عطف المفردات ؛ لعدم اتّحاد الزمان . ويحتمل أن يكون « يسخرون » خبر مبتدأ محذوف ، أي : وهم يسخرون ، فيكون مستأنفا ، وهو من عطف الجملة الاسمية على الفعلية . وجيء بقوله : « زيّن » ماضيا ؛ دلالة على أنّ ذلك قد وقع ، وفرغ منه ، وبقوله : « ويسخرون » مضارعا ؛ دلالة على التّجدّد ، والحدوث . قوله : « وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ » مبتدأ وخبر ، و « فوق » هنا تحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون ظرف مكان على حقيقتها ؛ لأنّ المتقين في أعلى علّيّين ، والكافرين في أسفل السّافلين . والثاني : أن تكون الفوقية مجازا : إمّا بالنسبة إلى نعيم المؤمنين في الآخرة ، ونعيم الكافرين في الدنيا . وإمّا أنّ حجة المؤمنين في القيامة فوق حجّة الكافرين ، وإمّا أن سخرية المؤمنين لهم في الآخرة ، فوق سخرية الكفار لهم في الدنيا . و « يوم » منصوب بالاستقرار الذي تعلّق به « فوقهم » وقوله : « مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا » ثم قال : « وَالَّذِينَ اتَّقَوْا » لتبيين أنّ السعادة الكبرى لا تحصل إلّا للمؤمن التّقيّ . فصل [ فيمن نزلت هذه الآية ] قال ابن عبّاس « 3 » : نزلت في كفّار قريش ، كانوا يسخرون من فقراء المسلمين كعبد اللّه بن مسعود ، وعمّار ، وخبّاب ، وسالم مولى أبي حذيفة ، وعامر بن فهيرة ، وأبي عبيدة بن الجرّاح ، وصهيب ، وبلال ، بسبب ما كانوا فيه من الفقر ، والصّبر على أنواع البلاء ، مع ما كان الكفّار فيه من النّعيم ، والرّاحة ، وبسط الرّزق .

--> ( 1 ) ينظر : الرازي 6 / 5 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 5 . ( 3 ) تقدم .