عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

493

اللباب في علوم الكتاب

الصلاة والسلام - قال : تبديلها أنّ اللّه تعالى لمّا أظهرها لتكون أسبابا لضلالهم ، فجعلوها أسبابا لضلالهم ، كقوله : فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ [ التوبة : 125 ] . ومن قال : المراد بالآيات ما في التّوراة والإنجيل من دلائل نبوّة محمّد - عليه السلام - قال : تبديلها تحريفها ، وإدخال الشّبهة فيها . والقول الثاني : أنّ النعمة هي ما آتاهم اللّه من الصّحّة ، والأمن ، والكفاية ، فتركوا القيام بما وجب عليهم من العلم بتلك الآيات . وقوله : « مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ » ، أي : من بعد التمكّن من معرفتها ، أو من بعدما عرفها ؛ كقوله : ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ البقرة : 75 ] إن فسرنا النعمة بالقول الأول ، وإن فسرنا النعمة بالصحة والأمن ، فلا شك أن عند حصولها يجب الشكر ، ويقبح الكفر ، فلهذا قال : « فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ » . وقال الطّبريّ : النعمة هنا الإسلام . وقال الواحديّ « 1 » - رحمه اللّه - : وفيه إضمار والمعنى شديد العقاب له . قال عبد القاهر النّحويّ في كتاب « دلائل الإعجاز » : إنّ ترك هذا الإضمار أولى ؛ لأنّ المقصود من الآية التخويف بكونه في ذاته موصوفا بأنه شديد العقاب لهذا أو لذاك ، ثم قال الواحديّ « 2 » : والعقاب عذاب يعقب الجرم . قال القرطبيّ : مأخوذ من العقب ، كأنّ المعاقب يمشي بالمجازاة له في آثار عقبه ، ومنه عقبة الراكب [ وعقبة القدر ] . قوله تعالي : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 212 ] زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 212 ) قوله تعالى : « زُيِّنَ » : إنّما لم تلحق الفعل علامة تأنيث لوجوه : أحدها : قال الفرّاء « 3 » : لأنّ الحياة والإحياء واحد ، فإن أنث ، فعلى اللّفظ ، وبها قرأ « 4 » ابن أبي عبلة ، وإن ذكّر ، فعلى المعنى ؛ كقوله : فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ [ البقرة : 275 ] وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ [ هود : 67 ] .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 4 - 5 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 5 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 5 . ( 4 ) قرأ ابن أبي عبلة : « زيّنت » . انظر : الشواذ 13 ، والمحرر الوجيز 1 / 284 ، والبحر المحيط 2 / 138 ، والدر المصون 1 / 517 .