عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
49
اللباب في علوم الكتاب
قوله تعالى : « مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ » . إنه - تعالى - لم يرد بذلك أنه نفس العلم ، بل المراد الدّلائل والآيات والمعجزات ؛ لأن ذلك من طرق العلم ، فيكون ذلك من باب إطلاق اسم الأثر على المؤثّر ، والغرض من هذه الاستعارة هو المبالغة [ والتعظيم في ] « 1 » أمر النبوات والمعجزات بأنه سمّاها باسم العلم ، وذلك ينبّهك على أن العلم أعظم المخلوقات شرفا ومرتبة ، ودلّت الآية على أن توجه الوعيد على العلماء أشدّ من توجّهه على غيرهم . [ قوله تعالى : إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ أي إنّك لو فعلت ذلك لكنت بمنزلة القوم في كفرهم ، وظلمهم أنفسهم ] « 2 » . و « إذا » حرف جواب وجزاء بنص سيبويه ، وتنصب المضارع بثلاثة شروط : أن تكون صدرا ، وألا يفصل بينها وبين الفعل بغير الظرف والقسم ، وألا يكون الفعل حالا ، ودخلت هنا بين اسم « إن » وخبرها لتقرير النسبة بينهما وكان حدها أن تتقدم أو تتأخر ، فلم تتقدم ، لأنه سبق قسم وشرط والجواب هو للقسم ، فلو تقدمت لتوهّم أنها لتقرير النسبة التي بين الشرط والجواب المحذوف ، ولم تتأخر لئلا تفوت مناسبة الفواصل رؤوس الآي . قال أبو حيان : وتحرير معنى « إذا » صعب اضطراب الناس في معناها ، وفي فهم كلام سيبويه فيها ، وهو أن معناها الجواب والجزاء . قال : والذي تحصل فيها أنها لا تقع ابتداء كلام ، بل لا بد أن يسبقها كلام لفظا أو تقديرا ، وما بعدها في اللفظ أو التقدير ، وإن كان متسببا عما قبلها فهي في ذلك على وجهين : أحدهما : أن تدلّ على إنشاء الارتباط والشرط ، بحيث لا يفهم الارتباط من غيرها ، مثال ذلك : أزورك فتقول : إذا أزورك ، فإنما تريد الآن أن تجعل فعله شرطا لفعلك ، وإنشاء السببية في ثاني حال من ضرورته أن يكون في الجواب ، وبالفعلية في زمان مستقبل ، وفي هذا الوجه تكون عاملة ، ولعملها شروط مذكورة في النحو . الوجه الثاني : أن تكون مؤكّدة لجواب ارتبط بمقدم ، أو منبّهة على مسبب حصل في الحال ، وهي في الحالين غير عاملة ؛ لأن المؤكدات لا يعتمد عليها والعامل يعتمد عليه ، وذلك ، نحو : « إن تأتني إذا آتك » ، و « واللّه إذا لأفعلن » فلو أسقطت « إذا » لفهم الارتباط ، ولما كانت في هذا الوجه غير معتمد عليها جاز دخولها على الجملة الاسمية الصريحة نحو : « أزورك » فتقول : « إذا أنا أكرمك » ، وجاز توسطها نحو : « أنا إذا أكرمك » وتأخرها ، وإذا تقرر هذا فجاءت « إذا » في الآية مؤكدة للجواب المرتبط بما تقدم ، وإنما
--> ( 1 ) في أ : في تعظيم . ( 2 ) سقط في ب .