عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
50
اللباب في علوم الكتاب
قررت معناها هنا ؛ لأنها كثيرة الدور في القرآن ، فتحمل في كل موضع على ما يناسب من هذا الذي قررناه انتهى كلامه . واعلم أنها إذا تقدمها عاطف جاز إعمالها وإهمالها ، وهو الأكثر ، وهي مركبة من « همزة وذال ونون » ، وقد شبهت العرب نونها بتنوين المنصوب قلبوها في الوقف ألفا ، وكتبوها في الكتاب على ذلك ، وهذا نهاية القول فيها . وجاء في هذا المكان « من بعد ما جاءك » وقال قبل هذا : بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ [ البقرة : 120 ] وفي « الرعد » : بَعْدِ ما جاءَكَ [ الرعد : 37 ] فلم يأت ب « من » الجارة إلا هنا ، واختص موضعا ب « الذي » ، وموضعين ب « ما » ، فما الحكمة في ذلك ؟ والجواب : ما ذكره بعضهم وهو أن « الذي » أخص و « ما » أشد إبهاما ، فحيث أتي ب « الذي » أشير به إلى العلم بصحّة الدين الذي هو الإسلام المانع من ملّتي اليهود والنصارى ، فكان اللفظ الأخص الأشهر أولى فيه ؛ لأنه علم بكل أصول الدين ، وحيث أتي بلفظ « ما » أشير به إلى العلم [ بركنين ] « 1 » من أركان الدين ، أحدهما : القبلة ، والآخر : بعض الكتاب ؛ لأنه أشار إلى قوله : وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ [ الرعد : 36 ] . قال : وأما دخول « من » ففائدته ظاهرة ، وهي بيان أول الوقت الذي وجب عليه - عليه السلام - أن يخالف أهل الكتاب في قبلتهم ، والذي يقال في هذا : إنه من باب التنوع في البلاغة . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 146 إلى 147 ] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146 ) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 147 ) في « الَّذِينَ آتَيْناهُمُ » : ستة أوجه : أظهرها : أنه مرفوع بالابتداء ، والخبر قوله : « يعرفونه » . الثاني : أنه خبر مبتدأ محذوف أي : هم الذين آتيناهم . الثالث : النصب بإضمار « أعني » . الرابع : الجر على البدل من « الظّالمين » . الخامس : على الصفة للظالمين . السادس : النصب على البدل من « الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ » في الآية قبلها . قوله تعالى : « يَعْرِفُونَهُ » فيه وجهان : أحدهما : أنه خبر ل « الَّذِينَ آتَيْناهُمُ » كما تقدم في أحد الأوجه المذكورة في « الَّذِينَ آتَيْناهُمُ » . الثاني : أنه نصب على الحال على بقية الأقوال المذكورة .
--> ( 1 ) في ب : بركن .