عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
488
اللباب في علوم الكتاب
ينتظرون مثل ذلك ، فيكونون قد جوّزوا أن يكون اللّه تجلّى لرسول اللّه كما تجلّى لموسى ، ومعلوم أنّ اليهود لم يقولوا ذلك ، وما ذكره اللّه تعالى عنهم من طلبهم رؤية اللّه جهرة ، فهذا حقّ ، ولكن أخبر أنّهم طلبوا الرؤية ولم يخبر أنّهم انتظروها ، والمطلب للشيء معتقد ؛ لأنه يكون لا طالب من غير أن يكون ، وهذا كقوله تعالى : أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ [ البقرة : 108 ] . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 211 ] سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 211 ) قرأ الجمهور : « سل » وهي تحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون من لغة : سال يسال ، مثل : خاف يخاف ، وهل هذه الألف مبدلة من همزة ، أو واو ، أو ياء ؟ خلاف تقدّم في قوله : فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ [ البقرة : 61 ] فحينئذ يكون الأمر منها : « سل » مثل « خف » لمّا سكنت اللام حملا للأمر على المجزوم ، التقى ساكنان فحذفت العين لذلك ، فوزنه على هذا فل ، وبهذا التقدير قرأ نافع « 1 » ، وابن عامر « سال سائل » على وزن « قال » ، « وكان » . والثاني : أن تكون من سأل بالهمز . قال قطرب : سأل يسأل مثل زار الأسد يزأر ، والأصل : اسأل ثم ألقيت حركة الهمزة على السّين ، تخفيفا ، واعتددنا بحركة النقل ، فاستغنينا عن همزة الوصل فحذفناها ، ووزنه أيضا فل بحذف العين ، وإن اختلف المأخذ . وروى عباس عن أبي عمرو : « اسأل » على الأصل من غير نقل . وقرأ قوم « 2 » : « اسل » بالنقل وهمزة الوصل ، كأنّهم لم يعتدّوا بالحركة المنقولة كقولهم : « الحمر » بالهمز . وقرأ بعضهم « سل بني إسرائيل » بغير همز ، وقرأوا وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ [ يونس : 94 ] وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [ النساء : 32 ] بالهمز ، وقرأ « 3 » الكسائيّ الكلّ بغير همز اتّباعا للمصحف ، فإنّ الألف ساقطة فيها أجمع ، و « بني » مفعول أول عند الجمهور . وقوله : « كم آتيناهم » في « كم » وجهان : أحدهما : أنها في محل نصب . واختلف في ذلك فقيل : نصبها على أنها مفعول ثان ل « آتيناهم » على مذهب الجمهور ، وأول على مذهب السّهيلي ، كما تقدّم .
--> ( 1 ) ستأتي في المعارج . ( 2 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 284 ، البحر المحيط 2 / 135 ، والدر المصون 1 / 514 . ( 3 ) ستأتي .