عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
485
اللباب في علوم الكتاب
قال ابن عباس ، في رواية أبي صالح ، والكلبي : هذا من المكتوم الذي لا يفسّر « 1 » ، وكان مكحول ، والزّهريّ ، والأوزاعيّ ، ومالك ، وابن المبارك ، وسفيان الثّوريّ ، واللّيث بن سعد ، وأحمد ، وإسحاق « 2 » يقولون فيه وفي أمثاله : أمرّها كما جاءت بلا كيف . قال سفيان بن عيينة « 3 » : كلّ ما وصف اللّه به نفسه في كتابه ، فتفسيره : قراءته ، والسكوت عنه ؛ ليس لأحد أن يفسّره إلّا اللّه ورسوله . وروي عن ابن عبّاس « 4 » أنه قال : نزل القرآن على أربعة أوجه : وجه لا يعرفه أحد لجهالته ، ووجه يعرفه العلماء ، ووجه نعرفه من قبل العربيّة فقط ، ووجه لا يعلمه إلّا اللّه . وقال جمهور المتكلّمين : لا بدّ من التّأويل ، وفيه وجوه : أحدها : أنّ المرا د « يأتيهم أمر اللّه » آيات اللّه . فجعل مجيء الآيات مجيئا له ؛ على التفخيم لشأن الآيات ؛ لأنه قال قبله : « فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ » ثم ذكر هذه الآية في معرض التهديد ، ومعلوم أنه بتقدير أن يصح المجيء على اللّه تعالى لم يكن مجرد حضوره سببا للتهديد والزّجر ، وإذا ثبت أنّ المقصود من الآية إنّما هو الوعيد والتهديد والزجر ، وجب أن يضمن في الآية مجيء الآيات والقهر والتّهديد ، ومتى أضمرنا ذلك ، زالت الشّبهة بالكلية . الثاني : أن يأتيهم أمر اللّه ، كقوله : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ [ المائدة : 33 ] والمراد : يحاربون أولياءه . وقوله : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] والمراد : أهل القرية ، فكذا قوله : « يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ » المراد : يأتيهم أمر اللّه ، كقوله : وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [ الفجر : 22 ] ، وليس فيه إلّا حذف المضاف ، وإقامة المضاف إليه مقامه ، وهو مجاز مشهور كثير في كلامهم ، تقول : « ضرب الأمير فلانا ، وصلبه ، وأعطاه » وهو إنّما أمر بذلك ، لا أنه تولّى ذلك بنفسه ، ويؤكد هذا قوله في سورة النحل : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ [ النحل : 33 ] فصارت هذه الآية مفسرة لتلك الآية ، لأن هذه الآيات لمّا وردت في واقعة واحدة ، لم يبعد حمل بعضها على البعض ، ويؤيّده - أيضا - قوله بعده : « وَقُضِيَ الْأَمْرُ » والألف واللام للمعهود السّابق ، وهو الأمر الذي أضمرناه . فإن قيل : أمر اللّه صفة قديمة ، فالإتيان عليها محال . وعند المعتزلة : أنه أصوات ، فتكون أعراضا ، فالإتيان عليها - أيضا - محال .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 184 . ( 2 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 184 . ( 3 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 184 . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 182 .