عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
486
اللباب في علوم الكتاب
والجواب : أن الأمر في اللغة له معنيان : أحدهما : الفعل « 1 » والشّأن والطّريق ؛ قال تعالى : وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ [ القمر : 50 ] ، وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ [ هود : 97 ] ، وفي المثل : « لأمر ما جدع قصير أنفه » « 2 » ، و « لأمر ما يسوّد من يسوّد » ، فيجعل الأمر عبارة عن الفعل ، وهو ما يليق بتلك المواقف من الأهوال ، وهذا هو التّأويل الأول ، وإن حملنا الأمر على ضدّ النهي ، ففيه وجهان : أحدهما : أن مناديا ينادي يوم القيامة ألا إن اللّه يأمركم بكذا ، وكذا ، فذاك هو إتيان الأمر . وقوله : « في ظلل » ، أي : مع ظلل ، والتقدير : أن سماع ذلك النداء ووصول تلك الظلل يكون في زمان واحد . الثاني : أن يكون المراد من إتيان أمر اللّه في ظلل حصول أصوات مقطّعة مخصوصة في تلك الغمامات ، تدلّ على حكم اللّه تعالى على كلّ ما يليق به ؛ من السّعادة ، والشقاوة ، وتكون فائدة الظّلل من الغمام أنه تعالى جعله أمارة لما يريد إنزاله بالقوم ، فعنده يعلمون أنّ الأمر قد حضر وقرب . الوجه الثالث : أن يأتيهم اللّه بما وعد من الحساب ، والعذاب ، فحذف ما يأتي به ، تهويلا عليهم ؛ إذ لو ذكر كان أسهل عليهم في باب الوعيد ، وإذا لم يذكر كان أبلغ ؛ لانقسام خواطرهم ، وذهاب فكرهم في كل وجه ، كقوله تعالى : فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [ النحل : 26 ] وقوله : فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [ الحشر : 2 ] أو قوله : فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ [ النحل : 26 ] وآتاهم العذاب ، كالتفسير لقوله فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ [ النحل : 26 ] . الوجه الرابع : أن تكون « في » بمعنى « الباء » ، وتقديره : هل ينظرون إلّا أن يأتيهم اللّه بظلل من الغمام ، وحروف الجرّ يقام بعضها مقام بعض . الوجه الخامس : قال ابن الخطيب « 3 » : وهو أوضح عندي من كلّ ما سلف ، وهو أنّا ذكرنا أنّ قوله تعالى : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً » نزلت في اليهود ، فعلى هذا قوله : « فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » يكون
--> ( 1 ) في ب : العقل . ( 2 ) في المستقصى في أمثال العرب 2 / 240 : لأمر ما حزّ قصير أنفه : وهو قصير بن سعد آخذ ثأر جذيمة ، قال المتلمس : [ الطويل ] ومن حذر الأيام ما حز أنفه * قصير ورام الموت بالسيف بيهس ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 184 .