عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

484

اللباب في علوم الكتاب

لغة ضعيفة ، ولذلك أبت العلماء أن تجعل قراءة من بناه للمفعول مأخوذة منها . وقرأ خارجة « 1 » عن نافع « 2 » : « يرجع » بالتذكير ، وببنائه للمفعول ؛ لأن تأنيثه مجازي ، والفاعل المحذوف في قراءة من بناه للمفعول : إمّا اللّه تعالى ، أي : يرجعها إلى نفسه بإفناء هذه الدار ، وإمّا ذوو الأمور ؛ لأنه لمّا كانت ذواتهم وأحوالهم شاهدة عليهم بأنهم مربوبون مجزيّون بأعمالهم كانوا رادّين أمورهم إلى خالقها . قال القفّال - رحمه اللّه - : في قوله : « تُرْجَعُ الْأُمُورُ » بضم التاء ثلاثة معان : أحدها : ما ذكرناه ، وهو أنه جلّ جلاله يرجعها إلى نفسه . والثاني : أنه على مذهب العرب ، من قولهم « فلان يعجب بنفسه » ويقول الرجل لغيره : « إلى أين يذهب بك » ، وإن لم يكن أحد يذهب به . والثالث : أن ذوات الخلق لما كانت شاهدة عليهم ، بأنهم مخلوقون محاسبون ، كانوا رادّين أمرهم إلى خالقهم ، فقوله « تُرْجَعُ الْأُمُورُ » أي : يردّها العباد إليه ، وإلى حكمه بشهادة أنفسهم ، وهو كقوله يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ الجمعة : 1 ] فإن هذا التسبيح بحسب الحال ، لا بحسب النطق ، وقوله : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [ الرعد : 15 ] قيل : المعنى يسجد له المؤمنون طوعا ، ويسجد له الكفّار كرها بشهادة أنفسهم بأنّهم عبيد اللّه . فصل في تفسير « الظلل » « الظّلل » جمع ظلّة ، وهو ما أظلّك اللّه به « والغمام » هو السّحاب الأبيض الرّقيق ، سمّي غماما ؛ لأنه يغمّ ، أي : يستر . وقال مجاهد : هو غير السحاب ، ولم يكن إلّا لبني إسرائيل في تيههم « 3 » . وقال مقاتل : كهيئة الضّبابة أبيض « 4 » . قال الحسن : في سترة من الغمام « 5 » . والأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها ، ويكل علمها إلى اللّه تعالى ؛ على ذلك مضت أئمة السّلف ، وعلماء السّنّة .

--> ( 1 ) خارجة بن مصعب أحد أعلام القراءات روى عنه العباس بن الفضل وتوفي سنة 168 ه ينظر غاية النهاية 1 / 68 . ( 2 ) انظر : الشواذ 13 ، والسبعة 181 ، والحجة 2 / 304 ، والبحر المحيط 2 / 134 ، والدر المصون 1 / 514 . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 263 ) عن مجاهد . ( 4 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 184 . ( 5 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 184 .