عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

483

اللباب في علوم الكتاب

والثاني : العطف على « الغمام » أي : من الغمام ومن الملائكة ، فتوصف الملائكة بكونها ظللا على التشبيه ، وعلى الحقيقة ، فيكون المعنى يأتيهم أمر اللّه وآياته ، والملائكة يأتون ليقومون بما أمروا به من الآيات والتعذيب ، أو غيرهما من أحكام يوم القيامة . قوله : « وَقُضِيَ الْأَمْرُ » الجمهور على « قضي » فعلا ماضيا مبنيا للمفعول ، وفيه وجهان : أحدهما : أن يكون معطوفا على « يأتيهم » وهو داخل في حيّز الانتظار ، ويكون ذلك من وضع الماضي موضع المستقبل ، والأصل : ويقضى الأمر ، وإنما جيء به كذلك ؛ لأنه محقق كقوله : أَتى أَمْرُ اللَّهِ [ النحل : 1 ] وقوله : وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي [ المائدة : 116 ] والسبب في اختيار هذا المجاز ، إمّا التنبيه على قرب الآخرة ، وكأنها قد أتت ، أو المبالغة في تأكيد وقوعها ، كأنها قد وقعت . والثاني : أن يكون جملة مستأنفة برأسها ، أخبر اللّه تعالى بأنه قد فرغ من أمرهم ، فهو من عطف الجمل ، وليس داخلا في حيّز الانتظار . وقرأ معاذ بن جبل « 1 » : « وقضاء الأمر » قال الزمخشريّ : « على المصدر المرفوع ؛ عطفا على الملائكة » . وقال غيره : بالمدّ والخفض ؛ عطفا على « الملائكة » . قيل : وتكون على هذا « في » بمعنى « الباء » أي : بظلل ، وبالملائكة ، وبقضاء الأمر ، فيكون عن معاذ قراءتان في الملائكة : الرفع والخفض ، فنشأ عنهما قراءتان له في قوله : « وقضي الأمر » . ومعنى قضي الأمر ؛ هو فصل القضاء ببين الخلق يوم القيامة ، وإنزال كلّ واحد منزلته من جنّة ، أو نار ؛ قال تعالى : وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ [ إبراهيم : 22 ] . قوله : « وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ » هذا الجار متعلق بما بعده ، وإنما قدّم للاختصاص ، أي : لا ترجع إلّا إليه دون غيره . وقرأ الجمهور : « ترجع » بالتأنيث لجريان جمع التكسير مجرى المؤنث ، إلّا أنّ حمزة والكسائي ونافعا قرؤوا « 2 » ببنائه للفاعل ، والباقون ببنائه للمفعول ، و « رجع » يستعمل متعديا تارة ، ولازما أخرى ، وقال تعالى : فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ [ التوبة : 83 ] ، فجاءت القراءتان على ذلك ، وقد سمع في المتعدي « أرجع » رباعيا ، وهي

--> ( 1 ) انظر : الشواذ 20 ، والكشاف 1 / 254 ، والمحرر الوجيز 1 / 284 ، والبحر المحيط 2 / 134 ، والدر المصون 1 / 513 . ( 2 ) وبها قرأ ابن عامر ، وخلف ويعقوب ، ووافقهم ابن محيصن والمطوعي والحسن . انظر : إتحاف 1 / 435 ، وحجة القراءات 130 ، 131 ، والحجة 2 / 304 ، وشرح شعلة 288 ، والعنوان 73 .