عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
472
اللباب في علوم الكتاب
المضموم ؛ ليعلموا أنّ الضّمّة كالمنطوق بها . وقد أمال الكسائيّ « 1 » وورش « مرضات » . وفي قوله : « بالعباد » خروج من ضمير الغيبة إلى الاسم الظّاهر ؛ إذ كان الأصل « رؤوف به » أو « بهم » وفائدة هذا الخروج أنّ لفظ « العباد » يؤذن بالتشريف ، أو لأنه فاصلة فاختير لذلك . فصل [ في أن المراد من هذا الشراء البيع ] إذا قلنا بأنّ المراد من هذا الشراء البيع ، فتحقيقة أنّ المكلّف باع نفسه بثواب الآخرة ، وهذا البيع هو أنّه بذلها في طاعة اللّه تعالى من الصلاة ، والصيام ، والحج والجهاد ، ثم يتوصل بذلك إلى وجدان ثواب اللّه تعالى فكان ما يبذله من نفسه كالسّلعة ، فكأنّه كالبائع ، واللّه كالمشتري ؛ كما قال : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ التوبة : 111 ] وقد سمّى اللّه تعالى ذلك تجارة ، فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ [ الصف : 10 ، 11 ] وإن أجرينا الآية على ظاهرها ، وقلنا : إنّ المراد هو الشراء ، فإن من أقدم على الكفر ، والتوسّع في ملاذّ الدنيا ، والإعراض عن الآخرة ، وقع في العذاب الدّائم ، فصار كأنّ نفسه كانت له ، فبسبب الكفر والفسق خرجت عن ملكه ، وصارت حقّا للنار ، فإذا ترك الكفر والفسق ، وأقبل على الإيمان والطاعة صار كأنه اشترى نفسه من النار والعذاب . فإن قيل : إن اللّه تعالى جعل نفسه مشتريا بقوله : « إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ » وهذا يمنع كون المؤمن مشتريا . فالجواب : أنه لا منافاة بين الأمرين ؛ فهو كمن اشترى ثوبا بعبد ، فكل واحد منهما بائع ومشتر فكذا هاهنا . فصل [ في أنه يدخل تحت هذا كل مشقة يتحملها الإنسان في طلب الدين ] يدخل تحت هذا كلّ مشقّة يتحملها الإنسان في طلب الدّين ؛ كالجهاد والصابر « 2 » على القتل ، كقتل والد عمّار وأمّه ، والآبق من الكفّار إلى المسلمين ، والمشتري نفسه من الكفار بماله ، كفعل صهيب ، ومن يظهر الدين والحقّ عند السلطان الجائر . روي أنّ عمر - رضي اللّه عنه - بعث جيشا ، فحاصروا قصرا ، فتقدّم منهم واحد
--> ( 1 ) انظر : العنوان 73 ، وإتحاف 1 / 434 ، وحجة القراءات 129 ، وشرح الطيبة 4 / 96 ، والبحر المحيط 2 / 128 ، والدر المصون 1 / 509 . ( 2 ) في ب : والصبر .