عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

473

اللباب في علوم الكتاب

فقاتل جتى قتل ، فقال بعض القوم : ألقى بيده إلى التّهلكة فقال عمر : كذبتم ، يرحم اللّه أبا فلان . وقرأ « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ » « 1 » واعلم أنّ المشقّة التي يتحمّلها الإنسان لا بدّ وأن تكون على وفق الشّرع حتى يدخل بسببه تحت الآية ، أمّا لو كان على خلاف الشرع فلا يدخل فيها ، بل يعدّ ذلك من إلقاء النّفس إلى التّهلكة ؛ كما لو خاف التّلف عند الاغتسال من الجنابة ففعل . قوله : « وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ » فمن رأفته « 2 » أنه جعل النّعيم الدّائم جزاء على العمل القليل المنقطع ، ومن رأفته « 3 » جوّز لهم كلمة الكفر إبقاء « 4 » على النفس ، ومن رأفته أنّه لا يكلف نفسا إلّا وسعها ، ومن رأفته ورحمته أن المصرّ على الكفر مائة سنة ، إذا تاب - ولو في لحظة - أسقط عنه عقاب تلك السنين ، وأعطاه الثواب الدائم . ومن رأفته أنّ النفس له والمال ، ثم إنّه يشتري ملكه بملكه ؛ فضلا منه ورحمة وإحسانا وامتنانا . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 208 إلى 209 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 208 ) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 209 ) قوله تعالى : « السِّلْمِ » قرأ « 5 » هنا « السّلم » بالفتح نافع ، والكسائيّ ، وابن كثير ، والباقون بالكسر ، وأمّا التي في الأنفال [ آية 61 ] فلم يقرأها بالكسر إلّا أبو بكر وحده ، عن عاصم ، والتي في القتال [ آية 35 ] فلم يقرأها بالكسر إلّا حمزة وأبو بكر أيضا ، وسيأتي . فقيل : هما بمعنّى ، وهو الصلح مثل رطل ورطل وجسر وجسر وهو يذكّر ويؤنّث ، قال تعالى : « وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها » ، وحكوا : « بنو فلان سلم ، وسلم » ، وأصله من الاستسلام ، وهو الانقياد ، قال تعالى : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ [ البقرة : 131 ] الإسلام : إسلام الهدى ، والسّلم على الصّلح ، وترك الحرب راجع إلى هذا المعنى ؛ لأنّ كلّ واحد كصاحبه ، ويطلق على الإسلام قاله الكسائي وجماعة ؛ وأنشدوا : [ الوافر ]

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 175 . ( 2 ) في ب : رحمته . ( 3 ) في ب : رحمته . ( 4 ) في ب : أيضا . ( 5 ) الصواب هنا العكس لا كما نقل المصنف ، فقد قرأ نافع ، والكسائي ، وابن كثير : بفتح السين والباقون بالكسر . انظر : السبعة 181 ، والحجة 2 / 292 ، وحجة القراءات 130 ، والعنوان 73 ، وشرح شعلة 288 ، وشرح الطيبة 4 / 95 ، 96 ، وإتحاف 1 / 435 .