عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
442
اللباب في علوم الكتاب
ذلك ، فلو قال : اللّه م أعطني الحسنة في الدّنيا ، لكان ذلك جزما ، وقد بيّنّا أنّه غير جائز ، فلمّا ذكره على سبيل التّنكير ، كان المراد منه حسنة واحدة ، وهي التي توافق قضاءه وقدره ، وكان ذلك أحسن وأقرب إلى رعايته الأدب . وقوله : « قنا » ممّا حذف منه فاؤه ولامه من وقى يقي وقاية ، أمّا حذف فائه ، فبالحمل على المضارع ؛ لوقوع الواو بين ياء وكسرة كما حذفت يقي ويشي مثل بعد ، هذا قول البصريّين ، وقال الكوفيّون : حذفت فرقا بين اللازم والمتعدّي . قال محمّد بن زيد : وهذا خطأ ؛ لأن العرب تقول : ورم يرم ، فيحذفون الواو وأمّا حذف لامه ؛ فلأنّ الأمر جار مجرى المضارع المجزوم ، وجزمه بحذف حرف العلة ؛ فكذلك الأمر منه ، فوزن « قنا » حينئذ : عنا ، والأصل : اوقنا ، فلمّا حذفت الفاء استغني عن همزة الوصل ، فحذفت ، و « عذاب » مفعول ثان . قوله تعالى : « أولئك » : مبتدأ و « لهم » خبر مقدم ، و « نصيب » مبتدأ ، وهذه الجملة خبر الأول ، ويجوز أن يكون « لهم » خبر « أولئك » ، و « نصيب » فاعل به ؛ لما تضمنّه من معنى الفعل لاعتماده ، والمشار إليه ب « أولئك » فيه قولان : أظهرهما : أنهما الفريقان : طالب الدنيا وحدها وطالب الدنيا والآخرة ، وقيل : بل لطالب الدنيا والآخرة ؛ لأنه - تعالى - ذكر حكم الفريق الأوّل ؛ حيث قال : « وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ » . قوله : « مِمَّا كَسَبُوا » متعلّق بمحذوف ؛ لأنه صفة ل « نصيب » ، فهو في محلّ رفع ، وفي « من » ثلاثة أقوال : أحدها : أنها للتبعيض ، أي : نصيب من جنس ما كسبوا . والثاني : أنها للسببية ، أي : من أجل ما كسبوا . والثالث : أنها للبيان . فصل [ في قوله : « أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا » ] قال ابن عبّاس في قوله : « أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا » : هو الرّجل يأخذ مالا يحجّ به من غيره ؛ فيكون له ثواب . و « ما » يجوز فيها وجهان : أن تكون مصدرية ، أي : من كسبهم ؛ فلا تحتاج إلى عائد . والثاني : أنها بمعنى « الّذي » ، فالعائد محذوف ؛ لاستكمال الشروط ، أي : من الذي كسبوه . و « الكسب » : يطلق على ما يناله العبد بعمله ، بشرط أن يكون لجرّ منفعة ، أو دفع مضرّة .