عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
443
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ » السّريع فاعل من السّرعة قال ابن السّكّيت « 1 » : سرع يسرع سرعا وسرعة ، فهو سريع ؛ مثل عظم يعظم . و « الحساب » مصدر كالمحاسبة ، ومعنى الحساب في اللّغة : العدّ ؛ قال : حسب يحسب حسابا وحسبة وحسبا إذا عدّ ذكره الليث وابن السّكّيت « 2 » ، والحسب ما عدّ ؛ ومنه حسب الرّجل : وهو ما يعدّ من مآثره ومفاخره ، والمعنى أنّ اللّه سريع الحساب : لا يحتاج إلى عدّ ولا إلى عقد كما يفعله الحسّاب ، والاحتساب : الاعتداد بالشّيء . وقال الزّجّاج « 3 » : الحساب في اللّغة مأخوذ من قولهم : « حسبك كذا » ، أي : كفاك ، فسمّي الحساب في المعاملات حسابا ؛ لأنّه يعلم به ما فيه كفاية ، وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان . وقيل : « وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ » قال الحسن « 4 » : أسرع من لمح البصر . وقيل : إتيان القيامة قريب ؛ لأن ما هو آت لا محالة قريب ؛ قال - تعالى - : وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [ الشورى : 17 ] . وقيل : سريع الحساب ، أي : سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم ؛ لأنّه - تعالى - في الوقت الواحد يسأله السّائلون ، كلّ واحد منهم أشياء مختلفة من أمور الدّنيا والآخرة ، فيعطي كلّ واحد مطلوبه من غير أن يشتبه عليه شيء من ذلك . فصل في أن اللّه هو المحاسب اختلف الناس في معنى كونه - تعالى - محاسبا للخلق على وجوه : أحدها : أنّ معنى الحساب : أنّه - تعالى - يعلّمهم ما لهم و [ ما ] عليهم ، بمعنى أنّه يخلق علوما ضروريّة في قلوبهم ، بمقادير أعمالهم وكمّيّتها وكيفيّاتها ، ومقادير ما لهم من الثّواب والعقاب . قالوا : ووجه المجاز فيه أنّ الحساب سبب لحصول علم الإنسان بما له و [ ما ] عليه ، فإطلاق اسم الحساب على هذا الإعلام يكون من باب إطلاق اسم السّبب على المسبّب ، وهو مجاز مشهور . ونقل عن ابن عباس « 5 » - رضي اللّه عنهما - أنّه قال : لا حساب على الخلق ، بل يقفون بين يدي اللّه - تعالى - ، يعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم ، فيقال لهم : هذه سيّئاتكم قد تجاوزت عنها ، ثم يعطون حسناتهم ، ويقال لهم : هذه حسناتكم قد ضاعفتها لكم .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 162 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 162 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 162 . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 1 / 178 . ( 5 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 162 .