عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

436

اللباب في علوم الكتاب

« شعر شاعر » ؛ كما قال به الفارسيّ وصاحبه ، أو يجعل « أشدّ » من صفات الأعيان ، لا من صفات الإذكار ؛ كما قال به الزمخشريّ ، أو يجعل « أشدّ » حالا من « ذكرا » أو ننصبه بفعل و « أو » هنا قيل للإباحة ، وقيل للتخيير ، وقيل : بمعنى بل ، وهو قول أكثر المفسّرين . قوله : « فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا » « من » مبتدأ ، وخبره في الجارّ قبله ، ويجوز أن تكون فاعلة عند الأخفش ، وأن تكون نكرة موصوفة ، وفي هذا الكلام التفات ؛ إذ لو جرى على النسق الأول ، لقيل : « فمنكم » ، وحمل على معنى « من » ؛ إذ جاء جمعا في قوله : « ربّنا آتنا » ، ولو حمل على لفظها ، لقال « ربّ آتني » . وفي المفعول الثاني ل « آتنا » - لأنه يتعدّى لاثنين ثانيهما غير الأوّل - ثلاثة أقوال : أظهرها : أنه محذوف ؛ اختصارا أو اقتصارا ؛ لأنه من باب « أعطى » ، أي : آتنا ما نريد ، أو مطلوبنا . والثاني : أن « في » بمعنى « من » أي : من الدنيا . والثالث : أنها زائدة ، أي : آتنا الدنيا . وليسا بشيء . فصل [ في أن مناسك الحج أولا ثم الذّكر ثم الدعاء ] اعلم أنّه بيّن أولا مناسك الحجّ ، ثم أمر بعدها بالذّكر ، ثم بيّن بعد الذّكر كيفيّة الدّعاء ، وهذا من أحسن التّرتيب ؛ فإنّ تقديم العبادة يكسر النّفس ، وبعد العبادة لا بدّ من الاشتغال بذكر اللّه ، فإن به يكمل الدّعاء ؛ كما حكي عن إبراهيم - عليه السّلام - ؛ أنّه قدّم الذّكر على الدّعاء ، فقال : الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ [ الشعراء : 78 ] ثم قال : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [ الشعراء : 83 ] ثم بيّن - تبارك وتعالى - أنّ الّذين يدعون فريقان : أحدهما يطلب الدّنيا ، والثّاني يطلب الدّنيا والآخرة ، وقد بقي قسم ثالث وهو طلب الآخرة ، واختلفوا في هذا القسم : هل هو مشروع أم لا ؟ والأكثرون على أنّه غير مشروع ؛ لأن الإنسان ضعيف لا طاقة له بآلام الدّنيا ؛ فالأولى أن يستعيذ بربّه من كل شرّ في الدّنيا والآخرة . روى القفّال « 1 » في « تفسيره » عن أنس - رضي اللّه عنه - أن النّبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - دخل على رجل يعوده ، قد أنهكه المرض حتّى صار كالفرخ ، فقال : ما كنت تدعو اللّه به قبل هذا ؟ قال : كنت أقول : اللّهمّ ما كنت تعاقبني به في الآخرة فعجّل به في الدّنيا ، فقال النبيّ - عليه السلام - : سبحان اللّه ! ! إنّك لا تطيق ذلك ؛ فهلا قلت : « رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ » قال : فدعا له رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فشفي « 2 » .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 159 . ( 2 ) أخرجه مسلم كتاب الذكر باب فضل الدعاء : اللهم آتنا في الدنيا حسنة رقم ( 2690 ) والترمذي -