عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
437
اللباب في علوم الكتاب
فصل [ في اختلافهم في الذين يقتصرون في الدعاء على طلب الدنيا ] اختلفوا في الّذين يقتصرون في الدّعاء على طلب الدّنيا على قولين . فقال قوم : هم الكفّار ؛ روي عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - ؛ أنّ المشركين كانوا إذا وقفوا للدّعاء ، يقولون : اللّهمّ أعطنا غنما وإبلا وبقرا ، وعبيدا ، وإماء ، وكان الرّجل يقوم ويقول : اللّهم إنّ أبي كان عظيم القبّة ، كبير الجفنة ، كثير المال ؛ فأعطني مثلما أعطيته « 1 » ، ولم يطلبوا التّوبة والمغفرة ؛ لأنهم كانوا منكرين البعث والمعاد . وعن أنس ؛ كانوا يقولون : اسقنا المطر ، وأعطنا على عدوّنا الظّفر « 2 » ، فأخبر اللّه - تعالى - أنّ من كان هكذا ، فلا خلاق له في الآخرة ، أي : لا نصيب له . قال القرطبي « 3 » : فنهوا عن ذلك الدّعاء المخصوص بأمر الدّنيا ، وجاء النّهي بصيغة الخبر عنهم . وقال آخرون : قد يكونوا مؤمنين ، ويسألون اللّه - تعالى - لدنياهم لا لآخرتهم ، ويكون سؤالهم هذا ذنبا ؛ لأنهم سألوا اللّه في أعظم المواقف حطام الدّنيا الفاني ، وأعرضوا عن سؤال نعيم الآخرة ، ويقال لمن فعل ذلك : أنّه لا خلاق له في الآخرة ، وإن كان مسلما ؛ كما روي في قوله - تعالى - إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ [ آل عمران : 77 ] أنها نزلت فيمن أخذ مالا بيمين فاجرة . وروي عن النّبيّ - عليه السّلام - : إنّ اللّه يؤيّد هذا الدّين بأقوام لا خلاق لهم « 4 » ، ومعنى ذلك على وجوه .
--> - ( 3483 ) وأحمد ( 3 / 107 ) والبغوي في « تفسيره » ( 1 / 188 ) وابن أبي شيبة ( 10 / 261 ) والطحاوي في « مشكل الآثار » ( 2 / 427 ) وابن المبارك في « الزهد » ( 347 ) وابن السني في « عمل اليوم والليلة » ( 549 ) والطبري في « تفسيره » ( 4 / 204 ) وأبو يعلى ( 6 / 3837 ) . والحديث ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 418 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد والبخاري وابن أبي حاتم والبيهقي في « الشعب » . ولم أجده في البخاري وقد جزم ابن كثير بذلك ، فأورده في « التفسير » ( 1 / 472 - 473 ) من رواية المسند وقال : انفرد بإخراجه مسلم . ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 201 ) عن أبي وائل بمعناه . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 202 ) عن أنس وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 418 ) وعزاه للطبري وحده . ( 3 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 286 . ( 4 ) أخرجه أحمد والطبراني في « الصغير » ( 1 / 51 ) وابن عدي في « الكامل » ( 2 / 573 ) وأبو نعيم في « الحلية » ( 3 / 13 ) عن أبي بكرة . وذكره الهيثمي في « مجمع الزوائد » ( 5 / 305 ) وقال رواه الطبراني وأحمد ورجالهما ثقات . والحديث ذكره الحافظ العراقي في « تخريج الإحياء » ( 1 / 48 ) وقال : رواه النسائي بإسناد صحيح عن أنس .