عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
435
اللباب في علوم الكتاب
الخامس : أن يكون « أشدّ » نصبا على الحال من « ذكرا » ؛ لأنه لو تأخّر عنه ، لكان صفة له ؛ كقوله : [ مجزوء الوافر ] 1005 - لميّة موحشا طلل * يلوح كأنّه خلل « 1 » « موحشا » حال من « طلل » ؛ لأنّه في الأصل صفة ، فلما قدّم ، تعذّر بقاؤه صفة ، فجعل حالا ، قاله أبو حيّان - رحمه اللّه تعالى - ، فإنه قال بعد ذكره ثلاثة أوجه لنصبه ، ووجهين لجرّه : « فهذه خمسة أوجه كلّها ضعيفة ، والذي يتبادر إلى الذّهن في الآية أنهم أمروا بأن يذكروا اللّه ذكرا يماثل ذكر آبائهم ، أو أشدّ ، وقد ساغ لنا حمل هذه الآية الكريمة عليه بوجه ذهلوا عنه » ، فذكر ما تقدّم ، ثم جوّز في « ذكرا » - والحالة هذه - وجهين : أحدهما : أن يكون معطوفا على محلّ الكاف في « كذكركم » ، ثم اعترض على نفسه في هذا الوجه ؛ بأنه يلزم منه الفصل بين حرف العطف ، وهو « أو » وبين المعطوف وهو « ذكرا » بالحال ، وهو « أشدّ » ، وقد نصّ النحويون على أن الفصل بينهما لا يجوز إلا بشرطين : أحدهما : أن يكون حرف العطف أكثر من حرف واحد . والثاني : أن يكون الفاصل قسما ، أو ظرفا أو جارّا ، وأحد الشرطين موجود ، وهو الزيادة على حرف ، والآخر مفقود ، وهو كون الفاصل ليس أحد الثلاثة المتقدّمة ، ثم أجاب بأن الحال مقدّرة بحرف الحر وشبّهه بالظرف ، فأجريت مجراهما . والثاني من الوجهين في « ذكرا » أن يكون مصدرا لقوله : « فاذكروا » ، ويكون قوله : « كذكركم » في محلّ نصب على الحال من « ذكرا » ؛ لأنها في الأصل صفة له ، فلما قدّمت ، كانت في محلّ حال ، ويكون « أشدّ » عطفا على هذه الحال ، وتقدير الكلام : « فاذكروا اللّه ذكرا كذكركم ، أي : مشبها ذكركم أو أشدّ » ؛ فيصير نظير : « اضرب مثل ضرب فلان أو أشدّ » الأصل : اضرب ضربا مثل ضرب فلان أو أشدّ . و « ذكرا » تمييز عند غير الشّيخ كما تقدّم ، واستشكلوا كونه تمييزا منصوبا ؛ وذلك أن أفعل التفضيل يجب أن تضاف إلى ما بعدها ، إذا كان من جنس ما قبلها ؛ نحو : « وجه زيد أحسن وجه » ، « وعلمه أكثر علم » ، وإن لم يكن من جنس ما قبلها ، وجب نصبه ؛ نحو : « زيد أحسن وجها ، وخالد أكثر علما » ، إذا تقرّر ذلك ، فقوله : « ذكرا » هو من جنس ما قبلها ، فعلى ما قرّر ، كان يقتضي جرّه ، فإنه نظير : « اضرب بكرا كضرب عمرو زيدا أو أشدّ ضرب » بالجرّ فقط . والجواب عن هذا الإشكال مأخوذ من الأوجه المتقدّمة في النصب والجر المذكورين في « أشدّ » ؛ من حيث أن يجعل الذّكر ذاكرا مجازا ؛ كقولهم :
--> ( 1 ) تقدم برقم 653 .