عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
431
اللباب في علوم الكتاب
قال القفّال « 1 » - رحمه اللّه - ويتأكّد الثّاني بما روى نافع عن ابن عمر ؛ قال : خطبنا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عشيّة عرفة ؛ فقال : « يا أيّها النّاس إن يطّلع اللّه عليكم في مقامكم هذا ، فقبل من محسنكم ، ووهب مسيئكم لمحسنكم ، والتّبعات عوّضها من عنده ، أفيضوا على اسم اللّه تعالى » قال أصحابه : يا رسول اللّه ، أفضت بنا بالأمس كئيبا حزينا ، وأفضت بنا اليوم فرحا مسرورا ، فقال عليه السّلام - « إنّي سألت ربّي - عزّ وجل - بالأمس شيئا لم يجد لي به : سألته التّبعات فأبى عليّ ، فلمّا كان اليوم أتى جبريل - عليه السّلام - فقال : إنّ ربّك يقرئك السّلام ويقول : التبعات ضمنت عوضها من عندي » « 2 » واللّه أعلم . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 200 إلى 202 ] فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ( 200 ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 201 ) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 202 ) اعلم أن « قضى » إذا علّق بفعل النّفس ، فالمراد منه الإتمام والفراغ ؛ كقوله تعالى : فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ [ فصلت : 12 ] فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ [ الجمعة : 10 ] ، وقوله - عليه السلام - : « وما فاتكم فاقضوا » « 3 » ، ويقال للحاكم عند فصل الخصومة : قضى بينهما . وإذا علّق على فعل الغير ، فالمراد به الإلزام ؛ كقوله : وَقَضى رَبُّكَ [ الإسراء : 23 ] وإذا استعمل في الإعلام ، فالمراد أيضا كذلك ؛ كقوله : وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ [ الإسراء : 4 ] ، أي : أعلمناهم ، وهذه الآية الكريمة من القسم الأوّل . وقال بعضهم « 4 » : يحتمل أن يكون المراد : اذكروا اللّه عند المناسك ، ويكون المراد من هذا الذّكر : ما أمروا به من الدّعاء بعرفات والمشعر الحرام والطّواف والسّعي ؛ كقول القائل : إذا حججت فطف وقف بعرفة ، ولا يريد الفراغ من الحجّ ، بل الدّخول فيه ، وحملهم على التّأويل صيغة الأمر .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 156 . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 193 - 194 ) وأبو نعيم في « الحلية » ( 8 / 199 ) عن ابن عمر . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 413 ) . والحديث ذكره المنذري في « الترغيب والترهيب » ( 2 / 127 ) بمعناه من حديث عبادة بن الصامت ثم قال : رواه الطبراني في الكبير ، ورواته محتج بهم في الصحيح إلا أن فيهم رجلا لم يسم . وكذلك ذكره الهيثمي في « مجمع الزوائد » ( 3 / 256 - 257 ) من حديث أنس بمعناه وقال : رواه أبو يعلى وفيه صالح المري وهو ضعيف . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 2 / 390 ) كتاب الجمعة : باب المشي إلى المساجد ( 908 ) ومسلم ( 1 / 420 - 421 ) كتاب المساجد باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة ( 1 / 25 / 602 ) من حديث أبي هريرة . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 157 .