عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

432

اللباب في علوم الكتاب

والمناسك ، جمع « منسك » بفتح السين وكسرها ، وسيأتي تحقيقهما ، وقد تقدّم اشتقاقها قريبا ، والقرّاء على إظهار هذا ، وروي عن أبي عمرو الإدغام ، قالوا : شبّه حركة الإعراب بحركة البناء فحذفها للإدغام ، وأدغم أيضا « مناسككم » ولم يدغم ما يشبهه من نحو : جِباهُهُمْ [ التوبة : 35 ] و وُجُوهُهُمْ [ آل عمران : 106 ] . قال بعض « 1 » المفسّرين « 2 » : إن جعلها جمع « منسك » الذي هو المصدر بمنزلة النّسك ، فالمراد : إذا قضيتم عبادتكم الّتي أمرتم بها في الحجّ ، وإن جعلتها جمع « منسك » الذي هو موضع العبادة ، فالتّقدير : فإذا قضيتم أعمال مناسككم ، فيكون من باب حذف المضاف . إذا عرف هذا ؛ فنقول : قال بعضهم « 3 » : المراد بالمناسك ما أمر اللّه - تعالى - به في الحجّ من العبادات ، وقال مجاهد : قضاء المناسك : إراقة الدّماء « 4 » ، يقال : أنسك الرجل ينسك نسكا ، إذا ذبح نسيكته بعد رمي جمرة العقبة والاستقرار بمنى ، والفاء في قوله : « فَاذْكُرُوا اللَّهَ » تدلّ على أنّ الذّكر يجب عقيب الفراغ من المناسك ؛ فلذلك اختلفوا . فمنهم من حمله على التكبير بعد الصّلاة يوم النّحر وأيّام التّشريق - على حسب اختلافهم في وقته - لأن بعد الفراغ من الحجّ لا ذكر مخصوص إلّا التكبير . ومنهم من قال : بل المراد تحويل القوم عمّا اعتادوه بعد الحجّ من التّفاخر بالآباء « 5 » ؛ لأنه تعالى لو لم ينه عنه بهذه الآية الكريمة ، لم يعدلوا عن هذه الطّريقة . ومنهم من قال : بل المراد منه أنّ الفراغ من الحجّ يوجب الإقبال على الدّعاء والاستغفار ؛ كما أن الإنسان بعد الفراغ من الصّلاة يسنّ أن يشتغل بالذّكر والدّعاء . قوله : « كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ » الكاف كالكاف في قوله كَما هَداكُمْ [ البقرة : 198 ] إلّا في كونها بمعنى « على » أو بمعنى اللام ، فليلتفت إليه ، والجمهور على نصب « آباءكم » مفعولا به ، والمصدر مضاف لفاعله على الأصل ، وقرأ « 6 » محمد بن كعب : « آباؤكم » رفعا ، على أنّ المصدر مضاف للمفعول ، والمعنى : كما يلهج الابن بذكر أبيه ، وروي عنه أيضا : « أباكم » بالإفراد على إرادة الجنس ، وهي توافق قراءة الجماعة في كون

--> ( 1 ) في ب : بعضهم . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 157 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 157 . ( 4 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 4 / 195 ) عن مجاهد وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 416 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد . ( 5 ) في ب : الإقبال . ( 6 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 276 ، والبحر المحيط 2 / 111 ، والدر المصون 1 / 498 .