عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
430
اللباب في علوم الكتاب
وقوله : « مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ » ] « 1 » المراد : إبراهيم وإسماعيل وأتباعهما « 2 » . قوله : « وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ » « استغفر » يتعدّى لاثنين ، أولهما بنفسه ، والثاني ب « من » ؛ نحو : استغفرت اللّه من ذنبي ، وقد يحذف حرف الجر ؛ كقول القائل : [ البسيط ] 1004 - أستغفر اللّه ذنبا لست محصيه * ربّ العباد إليه الوجه والعمل « 3 » هذا مذهب سيبويه « 4 » - رحمه اللّه - وجمهور النّاس . وقال ابن الطّراوة : إنه يتعدّى إليهما بنفسه أصالة ، وإنما يتعدّى ب « من » ؛ لتضمنه معنى ما يتعدّى بها ، فعنده « استغفرت اللّه من كذا » بمعنى تبت إليه من كذا ، ولم يجئ : « استغفر » في القرآن الكريم متعدّيا إلّا للأول فقط ، فأمّا قوله تعالى : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [ غافر : 55 ] وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ [ يوسف : 29 ] فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [ آل عمران : 135 ] فالظاهر أنّ هذه اللام لام العلّة ، ولا لام التعدية ، ومجرورها مفعلو من أجله ، لا مفعول به . وأمّا « غفر » فذكر مفعوله في القرآن تارة : وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ [ آل عمران : 135 ] ، وحذف أخرى : وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ [ المائدة : 40 ] . والسين في « استغفر » للطلب على بابها ، والمفعول الثاني هنا محذوف للعلم به ، أي : من ذنوبكم التي فرطت منكم . فإن قيل : أمر بالاستغفار مطلقا ، وربما كان فيهم من لم يذنب ، فحينئذ لا يحتاج إلى الاستغفار . فالجواب : أنّه إن كان مذنبا ، فالاستغفار واجب ، وإن لم يذنب ، فيجوز من نفسه صدور التّقصير في أداء الواجبات ، والاحتراز عن المحظورات ؛ فيجب عليه الاستغفار تداركا لذلك لخلل المجوّز ، وهذا كالممتنع في حقّ البشر . وقوله : « إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ » فقد تقدّم أنّها صيغتي مبالغة من المغفرة والرّحمة . فصل [ في اختلاف العلماء في هذه المغفرة الموعودة ] واختلف العلماء - رضي اللّه عنهم - في هذه المغفرة الموعودة . فقال بعضهم « 5 » : إنّها عند الدّفع من عرفات إلى جمع . وقال آخرون « 6 » : إنها عند الدّفع من جمع إلى منى ، وهذا مبنيّ على الخلاف المتقدّم في قوله : « ثُمَّ أَفِيضُوا » على أيّ الأمرين يحمل .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 154 . ( 3 ) تقدّم برقم 751 . ( 4 ) ينظر : الكتاب 1 / 171 . ( 5 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 156 . ( 6 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 156 .