عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

429

اللباب في علوم الكتاب

الأول : أنّ المراد بهذه الإفاضة من عرفات . قال المفسّرون « 1 » : كانت قريش وحلفاؤها وهم الحمس يقفون بالمزدلفة ، ويقولون : نحن أهل اللّه وقطّان حرمه ، فلا نخرج من الحرم ، ويستعظمون أن يقفوا مع النّاس بعرفات ، وسائر العرب كانوا يقفون بعرفات ، فإذا أفاض النّاس من عرفات ، أفاض الحمس من المزدلفة ، فأنزل اللّه - تعالى - هذه الآية الكريمة ، وأمرهم أن يقفوا بعرفات وأن يفيضوا منها كما يفعله سائر النّاس ، والمراد بالنّاس : العرب كلّهم غير الحمس . وقال الكلبي « 2 » : هم أهل اليمن وربيعة ، وروي أنّه - عليه السلام - لمّا جعل أبا بكر أميرا في الحجّ ، أمره بإخراج النّاس إلى عرفات ، فلمّا ذهب مرّ على الحمس وتركهم ، فقالوا له : إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك فلا تذهب ، فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر رسول اللّه إلى عرفات ، ووقف بها وأمر سائر النّاس بالوقوف بها . وقال بعضهم : « أفيضوا » أمر عامّ لكلّ النّاس . وقوله : « مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ » المراد : إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - : فإنّ سنّتهما كانت الإفاضة من عرفات . وقيل : المراد بالنّاس : النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم ؛ فإنّه روي أنّ النّبيّ - عليه السلام - كان يقف في الجاهليّة بعرفة كسائر النّاس ويخالف الحمس . وقال الضّحّاك « 3 » : النّاس ههنا إبراهيم وحده ، وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيسا يقتدى به ، وهو كقوله - تبارك وتعالى - : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ [ آل عمران : 173 ] يعني به : نعيم ابن مسعود ، إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [ آل عمران : 173 ] يعني أبا سفيان ، وهو مجاز مشهور ؛ ومنه قوله : إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [ القدر : 1 ] . وقال القفّال « 4 » : قوله : « مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ » [ عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفات ، وأنّه هو الأمر القديم وما سواه فهو مبتدع محدث ؛ كما يقال : هذا ممّا فعله النّاس قديما . وقال الزّهريّ « 5 » : إنّ المراد من النّاس في هذه الآية : آدم - عليه السلام - ؛ واحتج بقراءة سعيد بن جبير المتقدّمة . القول الثاني - وهو اختيار الضحّاك ورجّحه الطّبري « 6 » - : أنّ المراد بهذه الإفاضة ، هي الإفاضة من مزدلفة إلى منى يوم النّحر ، قبل طلوع الشمس للرّمي والنّحر .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 175 . ( 2 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 176 . ( 3 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 176 . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 154 . ( 5 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 176 . ( 6 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 154 .