عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

428

اللباب في علوم الكتاب

قاله الضّحّاك ، ورجّحه الطبريّ ، وهو الذي يقتضيه ظاهر القرآن ، فتكون « ثمّ » على بابها ، قال الزمخشريّ : « فإن قلت : كيف موقع « ثمّ » ؟ قلت : نحو موقعها في قولك : أحسن إلى النّاس ، ثمّ لا تحسن إلى غير كريم » تأتي ب « ثمّ » ؛ لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم ، والإحسان إلى غيره ، وبعد ما بينهما ، فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات ، قال : « ثمّ أفيضوا » ؛ لتفاوت ما بين الإفاضتين ، وأنّ إحداهما صواب والثانية خطأ » ، قال أبو حيّان : « وليست الآية نظير المثال الذي مثّله ، وخاصل ما ذكر أن « ثمّ » تسلب الترتيب ، وأنّ لها معنى غيره سمّاه بالتفاوت ، والبعد لما بعدها عمّا قبلها ، ولم يذكر في الآية إفاضة الخطأ حتّى تجيء « ثمّ » لتفاوت ما بينهما ، ولا نعلم أحدا سبقه إلى إثبات هذا المعنى ل « ثمّ » قال شهاب الدين - رحمه اللّه تعالى - : وهذا الذي ناقش الزمخشريّ به تحامل عليه ، فإنه يعني بالتفاوت والبعد التراخي الواقع بين الرتبتين ، وسيأتي له نظائر ، وبمثل هذه الأشياء لا يردّ بها على مثل هذا الرجل . و « من حيث » متعلّق ب « أفيضوا » ، و « من » لابتداء الغاية ، و « حيث » هنا على بابها من كونها ظرف مكان ، وقال القفّال : « هي هنا لزمان الإفاضة » وقد تقدّم أن هذا قول الأخفش ، وتقدّم دليله ، وكأن القفال رام بذلك التغاير بين الإفاضتين ؛ ليقع الجواب عن مجيء « ثمّ » هنا ، ولا يفيد ذلك ؛ لأن الزّمان يستلزم مكان الفعل الواقع فيه . و « أَفاضَ النَّاسُ » في محلّ جرّ بإضافة « حيث » إليها ، والجمهور على رفع السّين من « النّاس » . وقرأ سعيد بن جبير : « النّاسي » وفيها تأويلان : أحدهما : أنه يراد به آدم - عليه السّلام - وأيدوه بقوله : « فنسي ولم نجد له عزما » . والثاني : أن يراد به التارك للوقوف بمزدلفة ، وهم جمع النّاس ، فيكون المراد ب « النّاسي » جنس الناسين ، قال ابن عطيّة « 1 » : « ويجوز عند بعضهم حذف الياء ، فيقول : « النّاس » بكسر السّين ، فاكتفى بالكسرة عن الياء ، وبها قرأ « 2 » الزّهريّ ؛ كالقاص والهاد ؛ قال : أمّا جوازه في العربية ، فذكره سيبويه وأمّا جوازه قراءة ، فلا أحفظه . قال أبو حيان : لم يجز سيبويه ذلك إلا في الشّعر ، وأجازه الفرّاء في الكلام ، وأمّا قوله : « لم أحفظه » ، فقد حفظه غيره ، حكاها المهدويّ قراءة « 3 » عن سعيد بن جبير أيضا . فصل في المراد بالإفاضة في الآية الكريمة قولان :

--> ( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 1 / 276 . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 1 / 276 ، والبحر المحيط 2 / 109 ، والدر المصون 1 / 497 . ( 3 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 276 ، ونصّه : ويجوز عند تخفيف الياء ، فيقول : « الناس » كالقاض والهاد . وانظر : البحر المحيط 2 / 109 ، والدر المصون 1 / 497 .