عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

427

اللباب في علوم الكتاب

بعدها للفرق بينها وبين النافية ، وجاز دخول « إن » على الفعل ؛ لأنه ناسخ ، وهل هذه اللام لام الابتداء التي كانت تصحب « إنّ » ، أو لام أخرى غيرها ؛ اجتلبت للفرق ؟ قولان هذا رأي البصريّين . وأمّا الكوفيون فعندهم فيها خلاف : فزعم الفرّاء أنها بمعنى « إن » النافية ، واللام بمعنى « إلّا » ، أي : ما كنتم من قبله إلّا من الضالّين ، ومذهب الكسائيّ التفصيل : بين أن تدخل على جملة فعليّة ، فتكون « إن » بمعنى « قد » ، واللّام زائدة للتوكيد ؛ كقوله : وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ [ الشعراء : 186 ] ، وبين أن تدخل على جملة اسميّة ، كقوله : إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ [ الطارق : 4 ] ؛ فتكون كقول الفرّاء . و « من قبله » متعلّق بمحذوف يدلّ عليه « لمن الضّالّين » ، تقديره : كنتم من قبله ضالّين لمن الضّالّين ، ولا يتعلّق بالضالّين بعده ؛ لأنّ ما بعد « أل » الموصولة ، لا يعمل فيما قبلها ، إلا على رأي من يتوسّع في الظرف ، والهاء في « قبله » عائدة على « الهدى » المفهوم من قوله « كما هداكم » . وقيل : تعود إلى القرآن ، والتقدير : واذكروه كما هداكم ، بكتابه الذي بيّن لكم معالم دينه ، وإن كنتم من قبل إنزاله عليكم من الضّالّين . وقيل : إلى الرّسول . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 199 ] ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 199 ) استشكل الناس مجي « ثمّ » هنا ؛ من حيث إنّ الإفاضة الثانية هي الإفاضة الأولى ؛ لأنّ قريشا كانت تقف بمزدلفة ، وسائر الناس بعرفة ، فأمروا أن يفيضوا من عرفة كسائر الناس ، فكيف يجاء ب « ثمّ » التي تقتضي الترتيب والتراخي ؟ والجواب من وجوه : أحدها : أنّ الترتيب في الذّكر ، لا في الزمان الواقع فيه الأفعال ، وحسّن ذلك ؛ أن الإفاضة الأولى غير مأمور بها ، إنما المأمور به ذكر اللّه ، إذا فعلت الإفاضة . ثانيها : أن تكون هذه الجملة معطوفة على قوله : « وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ » ففي الكلام تقديم وتأخير ، وهو بعيد . ثالثها : أن تكون « ثمّ » بمعنى الواو ، قال بعض النّحاة : فهي لعطف كلام منقطع من الأول . قال بعضهم : وهي نظير قوله تعالى : وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ [ البلد : 12 ، 13 ] إلى قوله : ثُمَّ كانَ [ البلد : 17 ] ، أي : كان مع هذا من المؤمنين ، وفائدة « ثمّ » ههنا : تأخّر أحد الخبرين عن الآخر ، لا تأخّر المخبر عنه [ عن ذلك المخبر عنه ] . رابعها : أن الإفاضة الثانية هي من جمع إلى منى ، والمخاطبون بها جميع الناس ،