عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
424
اللباب في علوم الكتاب
بعرفة ، لقوله تعالى : « فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ » ، فإذا قلنا : بأن الوقوف بعرفة ركن وليس ذكره صريحا في الكتاب ، وإنّما وجب بإشارة الآية الكريمة أو بالسّنّة - فالمشعر الحرام فيه أمر جزم . وقال جمهور الفقهاء : ليس بركن ؛ لقوله - عليه السلام - : « الحجّ عرفة ، فمن وقف بعرفة ، فقد تم حجّه » وقوله « من أدرك عرفة فقد أدرك الحجّ ، ومن فاته عرفة فقد فاته الحجّ » « 1 » ، وأيضا فقوله تعالى : « فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ » أمر بالذّكر لا بالوقوف فالوقوف بالمشعر الحرام يقع للذّكر ، وليس بأصل ، وأمّا الوقوف بعرفة فهو أصل ؛ لأنه قال : « فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ » ولم يقل عند الذكر بعرفات . فصل [ في اختلافهم في الذّكر المأمور به عند المشعر الحرام ] اختلفوا في الذّكر المأمور به عند المشعر الحرام . فقال بعضهم « 2 » : هو الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء ، والصّلاة تسمّى ذكرا ؛ قال تعالى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [ طه : 14 ] ، وأيضا فإنه أمر بالذّكر هناك ، والأمر للوجوب ، ولا ذكر هناك يجب إلّا هذا . وقال الجمهور : هو ذكر اللّه بالتّسبيح والتّحميد والتّهليل . قال ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - : كان النّاس إذا أدركوا هذه اللّيلة لا ينامون « 3 » . قوله : « كَما هَداكُمْ » فيه خمسة أقوال : أحدها : أن تكون « الكاف » في محلّ نصب نعتا لمصدر محذوف . والثاني : أن تكون في محلّ نصب على الحال من ضمير المصدر المقدّر ، وهو مذهب سيبويه . والثالث : أن يكون في محلّ نصب على الحال من فاعل « اذكروا » تقديره : مشبهين لكم حين هداكم ، قال أبو البقاء « 4 » : « ولا بدّ من حذف مضاف ؛ لأنّ الجثّة لا تشبه الحدث » . ومثله : « كذكركم آباءكم » الكاف نعت لمصدر محذوف .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي ( 889 ) وأبو داود ( 1949 ) والنسائي ( 5 / 264 - 265 ) وابن ماجة ( 3015 ) وأحمد ( 4 / 309 - 310 ) والبيهقي ( 5 / 116 ) وابن حبان ( 1009 - زوائده ) وابن خزيمة ( 2822 ) والحميدي ( 2 / 399 ) رقم ( 899 ) والدارقطني ( 2 / 241 - 242 ) والطحاوي ( 2 / 209 ) والطيالسي ( 1 / 220 ) رقم ( 1056 ) والدارمي ( 2 / 59 ) والحاكم ( 2 / 278 ) وصححه وسكت عنه الذهبي . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 152 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 152 . ( 4 ) ينظر : الإملاء 1 / 87 .