عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
423
اللباب في علوم الكتاب
فصل [ في وجوب ذكر اللّه عند المشعر الحرام ] الآية دلّت على وجوب ذكر اللّه عند المشعر الحرام ، عند الإفاضة من عرفات ، والإفاضة من عرفة مشروطة بالحصول في عرفة ، ما لا يتمّ الواجب إلّا به وكان مقدورا للمكلّف ، فهو واجب ، فدلّت الآية الكريمة على أنّ الحصول في عرفات واجب في الحجّ ، فإذا لم يأت به لم يكن آتيا بالحجّ المأمور به ؛ فوجب ألّا يخرج عن العهدة ، وهذا يقتضي أن يكون الوقوف بعرفة شرطا . أقصى ما في الباب : أنّ الحجّ يحصل عند ترك بعض المأمورات بدليل منفصل ، إلّا أنّ الأصل ما ذكرنا ، وذهب كثير من العلماء إلى أنّ الآية لا دلالة فيها على أنّ الوقوف شرط ، ونقل عن الحسن « 1 » أن الوقوف بعرفة واجب ، إلّا أنه إن فاته ذلك ، قام الوقوف بجميع الحرم مقامه ، واتّفق الفقهاء على أنّ الحجّ لا يحصل إلّا بالوقوف بعرفة . قوله : « عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ » فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلّق ب « اذكروا » . والثاني : أن يتعلّق بمحذوف على أنه حال من فاعل « اذكروا » أي : اذكروه كائنين عند المشعر . والمشعر : المعلم من الشّعار وهو العلامة ؛ لأنّه من معالم الحجّ ، وأصله من قولك : شعرت بالشّيء إذا علمته ، وليت شعري ما فعل فلان ، أي : ليت بلغه وأحاط به ، وشعار الشّيء علامته ، واختلفوا : فقال بعضهم : هو المزدلفة ، لأن الصّلاة والمقام والمبيت بها ، والدّعاء عنده ، قاله الواحدي في البسيط « 2 » . وقال الزّمخشري : الأصحّ أنه قزح وهو آخر المزدلفة . وقال ابن الخطيب « 3 » - رحمه اللّه تعالى - : والأول أقرب ؛ لأنّ الفاء في قوله : « فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ » تدلّ على أنّ الذّكر عند المشعر الحرام يحصل عقيب الإفاضة من عرفات ، وما ذاك إلّا البيتوتة بالمزدلفة . فصل [ في قوله : « فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ » ] قوله : « فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ » يدلّ على أن الحصول عند المشعر الحرام واجب ، ويكفي فيه المرور به ، كما في عرفة ، فأمّا الوقوف هناك فمسنون . وروي عن علقمة والنّخعي ؛ أنّهما قالا : الوقوف بالمزدلفة ركن بمنزلة الوقوف
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 151 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 152 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 152 .