عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

393

اللباب في علوم الكتاب

بها . أو معلومات ببيان الرّسول عليه الصّلاة والسّلام وأنها مؤقتة في أوقات معينة ، لا يجوز تقديمها ولا تأخيرها ، كما فعلوه في النّسيء . قوله : « فمن فرض فيهنّ الحجّ » . يجوز في « من » أن تكون شرطية ، وأن تكون موصولة ، كما تقدّم في نظائرها ، و « فيهنّ » متعلّق ب « فرض » . والضّمير في « فيهنّ » يعود على « أشهر » وجيء به كضمير الإناث ، لما تقدم من أنّ جمع غير العاقل في القلّة يعامل معاملة جمع الإناث على الأفصح ؛ فلذلك جاء « فيهنّ » دون « فيها » ، وهذا بخلاف قوله : مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [ التوبة : 36 ] لأنه هناك جمع كثرة . وفرض في اللّغة : ألزم وأوجب ، يقال فرضت عليك كذا ، أي : أوجبته ، وأصل الفرض في اللغة : التّأثير والحزّ والقطع . قال ابن الأعرابي « 1 » - رحمه اللّه تعالى - : الفرض الحزّ في القدح ، [ وفي الوتد ، وفي غيره ] ، وفرضة القوس : الحزّ الذي فيه الوتر ، وفرضة الوتد الحزّ الذي فيه ، ومنه فرض الصلاة ؛ لأنها لازمة للعبد كلزوم الحزّ للقدح ، ففرض - ها هنا - بمعنى : أوجب ، وقد جاء في القرآن « فرض » بمعنى أبان ؛ قال تعالى سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها [ النور : 1 ] بالتخفيف ، وقوله قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ [ التحريم : 2 ] . وهو راجع إلى معنى القطع ؛ لأنّ من قطع شيئا ، فقد أبانه من غيره ، واللّه تعالى إذا فرض شيئا ، أبانه عن غيره ، ففرض بمعنى : أوجب ، وفرض : بمعنى أبان ؛ كلاهما راجع إلى أصل واحد ؛ ومن ها هنا فرّق بعضهم بين الفرض والواجب « 2 » ، فقالوا :

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 138 . ( 2 ) الفرض والواجب لفظان مترادفان عند غير الحنفية ، معناهما واحد : هو الفعل الذي طلبه الشاع طلبا جازما ، سواه كان الطلب بدليل قطعي ؛ كالقرآن ، والسنة المتواترة ، أو كان بدليل ظني ؛ كخبر الآحاد . أما الحنفية فإنهم يفرقون بين الفرض والواجب . فالفرض عندهم : هو الفعل الذي طلبه الشارع طلبا جازما بدليل قطعي ؛ كالصلاة ، ومطلق القراءة فيها ؛ والزكاة فإنها مطلوبة طلبا جازما بأدلة قطعية ، هي قوله تعالى : أَقِيمُوا الصَّلاةَ - وَآتُوا الزَّكاةَ * - فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ؛ إذ لا شك أنها قطعية الثبوت ، ومثل القرآن في ذلك السنة المتواترة . والواجب عندهم : هو الفعل الذي طلبه الشارع طلبا جازما بدليل ظني ؛ كخصوص قراءة الفاتحة في الصلاة المدلول على طلبها طلبا جازما بخبر الآحاد ؛ كما في الصحيحين : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب . وعلّلوا هذه التفرقة : بأن الفرض معناه في اللغة : القطع ؛ لأنه مأخوذ من فرض الشيء بمعنى : حزّه ، أي : قطع بعضه ، فالفرض بمعنى المفروض ، أي : المقطوع به ، والذي فرضه اللّه علينا لا يمكن علمه يقينا ، إلا إذا كان ثابتا بالدّليل القطعي . والواجب هو السّاقط ؛ لأنه مأخوذ من وجب بمعنى : سقط ؛ يدل له قوله تعالى : فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها -