عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

394

اللباب في علوم الكتاب

الفرض ما ثبت بدليل قطعيّ ؛ لأن أصله القطع ، وسمّاه بالركن .

--> - أي : سقطت ، والذي أوجبه اللّه علينا بدليل ظني لمّا لم يعلم يقينا فرضه ، وتقديره علينا ، كان ساقطا ، أي : غير معدود من القسم الذي يتعلق به العلم ؛ لأنه خاصّ بالمقطوع به ، ومن هنا سمّوا ما ثبت بقطعي ب « الواجب » علما وعملا ، وما ثبت بظني ب « الواجب » عملا فقط . ولكن يردّ عليهم بأن تخصيص الفرض بالمقطوع به فقط تحكم ؛ لأن الفرض في اللّغة التقدير مطلقا ، سواء كان مقطوعا به أو مظنونا فالتخصيص بأحد القسمين دون الآخر تخصيص بلا دليل ، فلا يكون مقبولا . وبأنه وردت في اللغة كلمة « وجب » بمعنيين : الأول : بمعنى : سقط ، ومصدرها حينئذ : الوجبة ، وليس هذا محل النزاع . الثاني : بمعنى ثبت ؛ ومنه قوله - عليه الصلاة والسلام - : « إذا وجب المريض فلا تبكين باكية » أي : إذا ثبت واستقر وزال عنه الاضطراب ، فلا تبكين باكية ؛ لأن ذلك علامة اشتغاله بمشاهدة أمر من أمور الآخرة ، فمصدرها حينئذ الوجوب بمعنى : الثبوت ، فيقال : وجب الشيء وجوبا ، أي : ثبت ثبوتا ، سواء كان مقطوعا به أو مظنونا ، فتخصيص الواجب بما ثبت بدليل ظني ؛ لأنه ساقط ، أي : نازل عن اعتباره من قسم المعلوم لا أساس له . على أن كثرة استعمال أهل اللغة العربية لهذين اللفظين في معنييهما مطلقا ، سواء كان مقطوعا بهما أو مظنونا يرجح ما نقول ، ومن هنا نجد أن الحنفية قد نقضوا أصلهم هذا ، واستعملوا الفرض فيما ثبت بظني ، والواجب فيما ثبت بقطعي ؛ كقولهم : الوتر فرض ، وتعديل الأركان فرض ؛ وكقولهم : الصلاة واجبة ، والزكاة واجبة . والواقع أن الخلاف بين الحنفية وغيرهم خلاف لفظي وليس حقيقيا ؛ لأنهم جميعا متّفقون على أن ما ثبت بدليل ظني لا يكون في قوة ما ثبت بدليل قطعي ، وأن جاحد الأوّل لا يكفر ، بخلاف جاحد الثاني ؛ كما أنهم متفقون على تفاوت مفهومي الفرض والواجب في اللغة . وإنما الخلاف بينهم في التسمية فقط ، فنحن نقول : إن الفرض والواجب لفظان مترادفان اصطلاحا ، نقلا عن معناهما اللغوي إلى معنى واحد ، هو الفعل المطلوب طلبا جازما ، سواء ثبت ذلك بدليل قطعي أو ظني ، والحنفية يخصّون كلا منهما باسم خاص ، ويجعلونه اسما له ، وهذا اصطلاح ولا مشاحة في الاصطلاح . ومقتضى كون الخلاف لفظيا : ألّا يكون له أثر في الفروع يترتب على الفرق بين الفرض والواجب ، وهو كذلك . وما يظن من أن هذا الخلاف حقيقي ؛ لأن له أثرا ظهر في ترك قراءة الفاتحة في الصلاة ؛ حيث قيل بتأثيم التارك ، وعدم فساد صلاته إن أتى بقراءة غيرها ، بخلاف تارك القراءة فيها أصلا ، حيث قيل بتأثيمه وفساد صلاته - غير سديد ؛ لأن عدم الفساد عندهم ليس ناشئا من التفرقة بين الفرض والواجب ، وإنما هو ناشىء عن الدليل الذي دلّ المجتهد على الحكم ، وهو ظنية الدليل الذي تسبب عنه أمران : التسمية بالواجب ، وعدم الفساد ، ولا يلزم من سببية شيء ، لأمرين : أن يكون أحدهما سببا للآخر ، والذي كان في مقابلته الدليل القطعي الدالّ على فرضية مطلق القراءة الذي عدل عن الفاتحة إليها ، فقيل بعدم الفساد عملا بظنية دليل الفاتحة ، وقطعية دليل مطلق القراءة . ينظر : الإحكام للآمدي 1 / 92 - 94 ، الإبهاج 1 / 55 ، نهاية السول 1 / 73 ، التمهيد للإسنوي ص ( 58 ) ، المحصول 1 / 1 / 117 ، البرهان 1 / 308 ، المستصفى 1 / 42 ، المنتهى لابن الحاجب ص ( 23 ) ، كشف الأسرار 2 / 300 ، أصول السرخسي 1 / 100 ، المنخول ص ( 76 ) ، فواتح الرحموت -