عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

390

اللباب في علوم الكتاب

قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 197 ] الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ ( 197 ) « الحجّ » مبتدأ ، و « أشهر » خبره ، والمبتدأ والخبر لا بدّ أن يصدقا على ذات واحدة ، و « الحجّ » فعل من الإفعال ، و « أشهر » زمان ، فهما غيران ، فلا بدّ من تأويل ، وفيه ثلاثة احتمالات : أحدها : أنّه على حذف مضاف من الأوّل ، تقديره : أشهر الحج أشهر معلومات . أي : لا حجّ إلّا في هذه الأشهر ولا يجوز في غيرها ، كما كان يفعله أهل الجاهليّة في غيرها ، كقوله البرد شهران ، أي : وقت البرد شهران . الثاني : الحذف من الثاني تقديره : الحجّ حجّ أشهر ، فيكون حذف من كل واحد ما أثبت نظيره . الثالث : أن تجعل الحدث نفس الزّمان مبالغة ، ووجه المجاز كونه حالّا فيه ، فلما اتّسع في الظّرف جعل نفس الحدث ، ونظيره : وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً [ الأحقاف : 15 ] وإذا كان ظرف الزمان نكرة مخبرا به عن حدث ، جاز فيه الرفع والنّصب مطلقا ، أي : سواء كان الحدث مستوعبا للظّرف ، أم لا ، هذا مذهب البصريين . وأمّا الكوفيّون فقالوا : إن كان الحدث مستوعبا ، فالرّفع فقط نحو : « الصّوم يوم » ، وإن لم يكن مستوعبا ، فهشام يلتزم رفعه أيضا نحو : « ميعادك يوم » والفرّاء يجيز نصبه مثل البصريّين ، وقد نقل عنه أنّه منع نصب « أشهر » ، يعني : في الآية الكريمة ، لأنها نكرة ، فيكون له في المسألة قولان ، وهذه مسألة طويلة . قال ابن عطيّة : « ومن قدّر الكلام : الحج في أشهر ، فيلزمه مع سقوط حرف الجرّ نصب الأشهر ، ولم يقرأ به أحد » قال أبو حيان رحمه اللّه : ولا يلزم ذلك ؛ لأنّ الرّفع على جهة الاتّساع ، وإن كان أصله الجرّ ب « في » . فصل [ في اختلافهم في أشهر الحج ] أجمع المفسّرون على أنّ شوّالا ، وذا القعدة ، من أشهر الحج ، واختلفوا في ذي الحجّة فقال عروة بن الزّبير : إنها بكليتها من أشهر الحج وهو قول مالك ، وداود . وقال أبو حنيفة : العشر الأول من ذي الحجّة من أشهر الحجّ ؛ وهو قول ابن عبّاس ، وابن عمر ، والنخعي ، والشعبي ، ومجاهد ، والحسن « 1 » .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 137 .