عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

346

اللباب في علوم الكتاب

القاتل أولى ، وأيضا فقد يكون الكافر قاتلا ، فقد انضمّ إلى كفره قتل العمد والآية دلّت على قبول توبة كلّ كافر ، فدلّ على أنّ توبته ، إذا كان قاتلا مقبولة ؛ قال تعالى : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [ الأنفال : 38 ] . قوله تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ يجوز في « حتّى » أن تكون بمعنى « كي » وهو الظاهر ، وأن تكون بمعنى « إلى » و « أن » مضمرة بعدها في الحالين ، و « تكون » هنا تامة ، و « فتنة » فاعل بها ، وأمّا « وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ » فيجوز أن تكون تامّة أيضا ، وهو الظاهر ، ويتعلّق « للّه » بها ، وأن تكون ناقصة و « للّه » الخبر ؛ فيتعلّق بمحذوف أي : كائنا للّه تعالى . فصل في المراد بالفتنة قيل : المراد بالفتنة الشّرك والكفر ؛ قالوا : كانت فتنتهم أنّهم كانوا يرهبون أصحاب النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم وشرّف ، وكرّم ، ومجّد ، وبجّل ، وعظّم - بمكة ، حتى ذهبوا إلى الحبشة ، ثم واظبوا على ذلك الإيذاء ؛ حتى ذهبوا إلى المدينة ، وكان غرضهم من إثارة تلك الفتنة أن يتركوا دينهم ، ويرجعوا كفّارا ، فأنزل اللّه - تبارك وتعالى - هذه الآية « 1 » ، والمعنى : قاتلوهم حتّى تظهروا عليهم ؛ فلا يفتنوكم عن دينكم ، ولا تقعوا في الشّرك « وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ » أي : الطّاعة ، والعبادة للّه وحده ؛ لا يعبد شيء دونه ونظيره قوله تعالى تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ [ الفتح : 16 ] قال نافع : جاء رجل إلى ابن عمر في فتنة ابن الزّبير فقال ما يمنعك أن تخرج ؟ فقال : يمنعني أنّ اللّه حرّم دم أخي ؛ ألّا تسمع ما ذكر اللّه تعالى : وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [ الحجرات : 9 ] قال : يا ابن أخي ولأن أعتبر بهذه الآية ، ولا أقاتل أحبّ لي من أن أعتبر بالآية الأخرى الّتي يقول اللّه - عزّ وجلّ - فيها وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً [ النساء : 93 ] قال ألم يقل اللّه تعالى : « وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ » ؟ قال : قد فعلنا على عهد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم وشرّف ، وكرّم ، وبجّل ، ومجّد ، وعظّم - إذ كان الإسلام قليلا ، وكان الرّجل يفتن عن دينه ، إما يقتلونه ، أو يعذّبونه ؛ حتى كثر الإسلام ، فلن تكن فتنة وكان الدّين للّه ، وأنتم تريدون أن تقاتلوهم ، حتّى تكون فتنة ، ويكون الدّين لغير اللّه « 2 » . وعن سعيد بن جبير ، قال : قال رجل لابن عمر كيف ترى في قتال الفتنة ؟ فقال : هل تدري ما الفتنة ؟ ! كان محمّد صلوات اللّه وسلامه عليه يقاتل المشركين وكان الدّخول عليهم فتنة ، وليس قتالكم كقتالهم على الملك .

--> ( 1 ) ذكره الفخر الرازي في « التفسير الكبير » 5 / 113 . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 8 / 32 ) كتاب التفسير باب ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ) رقم ( 4513 ، 4514 ) عن نافع . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 371 - 372 ) وزاد نسبته لابن مردويه وأبي الشيخ عن ابن عمر .