عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

347

اللباب في علوم الكتاب

فصل في معاني الفتنة في القرآن قال أبو العبّاس المقري : ورد لفظ الفتنة في القرآن بإزاء سبعة معان : الأول : الفتنة : الكفر ؛ قال تعالى فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ [ آل عمران : 7 ] يعني : طلب الكفر . الثاني : الفتنة الصرف قال تعالى : وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ [ المائدة : 49 ] . الثالث : الفتنة : البلاء ؛ قال تعالى وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [ العنكبوت : 3 ] . الرابع : الفتنة : الإحراق ؛ قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ [ البروج : 10 ] ، أي : حرّقوهم ؛ ومثله يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [ الذاريات : 13 ] . الخامس : الفتنة الاعتذار قال تعالى : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا [ الأنعام : 23 ] . السادس : الفتنة : القتل ، قال تعالى إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ النساء : 101 ] ، أي : يقتلوكم . السابع : الفتنة : العذاب ؛ قال تعالى جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ [ العنكبوت : 10 ] . قوله « فَإِنِ انْتَهَوْا » ، أي : عن الكفر وأسلموا ، « فلا عدوان » أي : فلا سبيل « إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ » قاله ابن عبّاس ، ويدلّ عليه قوله تعالى : قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ [ القصص : 28 ] ، أي : فلا سبيل « 1 » عليّ ، وقال أهل المعاني العدوان : الظّلم ، أي : فإن أسلموا ، فلا نهب ، ولا أسر ، ولا قتل إلّا على الظالمين الّذين بقوا على الشّرك ؛ قال تعالى إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] وسمّى قتل الكفّار عدوانا ، وهو في نفسه حقّ ، لأنّه جزاء عن العدوان ؛ على طريق المجاز ، والمقابلة ؛ لقوله فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ [ البقرة : 194 ] ، وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [ آل عمران : 54 ] فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [ التوبة : 79 ] . وقيل : معنى الآية الكريمة إن تعرّضتم لهم بعد انتهائهم عن الشّرك والقتال ، كنتم أنتم ظالمين ، فنسلّط عليكم من يعتدي عليكم . قوله : إلّا على الظّالمين » في محلّ رفع خبر « لا » التبرئة ، ويجوز أن يكون خبرها محذوفا ، تقديره : لا عدوان على أحد ؛ فيكون « إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ » بدلا على إعادة العامل ، وهذا الجملة ، وإن كانت بصورة النّفي ، فهي في معنى النّهي ؛ لئلا يلزم الخلف في خبره تعالى والعرب إذا بالغت في النهي عن الشيء ، أبرزته في صورة النفي المحض ؛ كأنه ينبغي ألّا يوجد البتة ؛ فدلّوا على هذا المعنى بما ذكرت لك ، وعكسه في الإثبات ،

--> ( 1 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 163 .