عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

344

اللباب في علوم الكتاب

قوله : « وَلا تُقاتِلُوهُمْ » قرأ الجمهور الأفعال الثلاثة : « ولا تقاتلوهم حتّى يقاتلوكم ، فإن قاتلوكم » بالألف من القتال ، وقرأها « 1 » حمزة والكسائيّ من غير ألف من القتل وهو في المصحف بغير ألف ، وإنما كتبت كذلك ؛ للإيجاز ؛ كما كتبوا الرّحمن بغير ألف ، وما أشبه ذلك من حروف المدّ واللّين . فأما قراءة الجمهور فواضحة ؛ لأنها نهي عن مقدّمات القتل ؛ فدلالتها على النّهي عن القتل بطريق الأولى ، وأمّا قراءة الأخوين ، ففيها تأويلان : أحدهما : أن يكون المجاز في الفعل ، أي : ولا تقتلوا بعضهم ؛ حتّى يقتلوا بعضكم ؛ ومنه قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ [ آل عمران : 146 ] ثم قال « فما وهنوا » أي ما وهن من بقي منهم ، وقال الشاعر : [ المتقارب ] 970 - فإن تقتلونا نقتّلكم * وإن تقصدوا لدم نقصد « 2 » أي : فإن تقتلوا بعضنا . يروى أن الأعمش قال لحمزة : أرأيت قراءتك ، إذا صار الرجل مقتولا ، فبعد ذلك كيف يصير قاتلا لغيره ؟ ! قال حمزة : إنّ العرب ، إذا قتل منهم رجل قالوا : قتلنا ، وإذا ضرب منهم رجل ، قالوا ضربنا « 3 » وأجمعوا على « فاقتلوهم » أنّه من القتل ، وفيه بشارة بأنّهم ، إذا فعلوا ذلك ، فإنهم متمكّنون منهم بحيث إنكم أمرتم بقتلهم ، لا بقتالهم ؛ لنصرتكم عليهم ، وخذلانهم ؛ وهي تؤيّد قراءة الأخوين ، ويؤيّد قراءة الجمهور : « وقاتلوا في سبيل اللّه » . و « عند » منصوب بالفعل قبله ، و « حتّى » متعلقة به أيضا غاية له ، بمعنى « إلى » والفعل بعدها منصوب بإضمار « أن » والضمير في « فيه » يعود على « عند » إذ ضمير الظرف لا يتعدّى إليه الفعل إلّا ب « في » ؛ لأنّ الضمير يردّ الأشياء إلى أصولها ، وأصل الظرف على إضمار « في » اللهم إلا أن يتوسّع في الظرف ، فيتعدّى الفعل إلى ضميره من غير « في » ولا يقال : « الظّرف غير المتصرّف لا يتوسّع فيه » ، فيتعدّى إليه الفعل ، فضميره بطريق الأولى ؛ لأنّ ضمير الظّرف ليس حكمه حكم ظاهره ؛ ألا ترى أنّ ضميره يجرّ ب « في » وإن كان ظاهره لا يجوز ذلك فيه ، ولا بدّ من حذف في قوله : « فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ » أي : فإن قاتلوكم فيه ، فاقتلوهم فيه ، فحذف لدلالة السّياق عليه .

--> ( 1 ) ينظر : السبعة 179 ، والكشف 1 / 280 ، والحجة 2 / 284 ، 285 ، والعنوان 73 ، وشرح الطيبة 4 / 94 - 96 ، وحجة القراءات 127 ، 128 ، وشرح شعلة 286 ، وإتحاف 1 / 433 . ( 2 ) البيت من قصيدة امرئ القيس بن عانس الشهيرة التي مطلعها : تطاول ليلك بالأثمد * ونام الخليّ ولم ترقد انظر : ديوانه 186 ، والبحر المحيط 2 / 75 ، والدر المصون 1 / 481 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 112 .