عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
343
اللباب في علوم الكتاب
وهذا ضعيف ، فإنّ الآية الأولى دالّة على الأمر بقتال من يقاتلنا ، وهذا الحكم لم ينسخ ، وأمّا أنّها دالّة على المنع من قتال من لم يقاتل ، فهذا غير مسلّم ، مع ما نقل عن الرّبيع بن أنس . وأما قوله : إنّ هذه الآية ، هي قوله تبارك وتعالى وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ منسوخة بقوله تعالى وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ فهو خطأ أيضا ؛ لأنّه لا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم ، وهذا الحكم غير منسوخ . قوله « وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ » فيه وجوه : أحدها : نقل ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - أنّ الفتنة هي الكفر « 1 » . وروي أنّ بعض الصحابة قتل رجلا من الكفّار في الشّهر الحرام ، فعابه المؤمنون على ذلك ، فنزلت هذه الآية الكريمة ، والمعنى « 2 » : أنّ كفرهم أشدّ من قتلهم في الحرم والإحرام . وثانيها : أن الفتنة أصلها عرض الذّهب على النّار ؛ لاستخلاصه من الغشّ ، ثمّ صار اسما لكلّ ما كان سببا للامتحان ؛ تشبيها بهذا الأصل ، والمعنى : أنّ إقدام الكفّار على الكفر ، وعلى تخويف المؤمنين ، وإلجائهم إلى ترك الأهل ، والوطن ؛ هربا من إضلال الكفّار ، فإنّ هذه الفتنة الّتي جعلت للمؤمنين أشدّ من القتل الذي يقتضي التّخليص من غموم الدّنيا وآفاتها . وثالثها : أنّ الفتنة هي العذاب الدّائم الذي يلزمهم بسبب كفرهم ؛ فكأنه قيل : اقتلوهم حيث ثقفتموهم ، واعلموا أن وراء ذلك من العذاب ما هو أشدّ منه وإطلاق اسم الفتنة على العذاب جائز ؛ وذلك من باب إطلاق اسم السّبب على المسبّب ، قال تبارك وتعالى : يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [ الذاريات : 13 ] ثم قال عقيبه ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ [ الذاريات : 14 ] أي عذابكم إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [ البروج : 10 ] أي عذّبوهم وقال فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ [ العنكبوت : 10 ] أي : عذابهم كعذابه . ورابعها : أنّ المراد : « فتنتهم إيّاكم بصدّكم عن المسجد الحرام أشدّ من قتلكم إيّاهم في الحرم » . وخامسها : أن الردّة أشدّ من أن يقتلوا بحقّ ، والمعنى : أخرجوهم من حيث أخرجوكم ، ولو قتلتم ، فإنّكم إن قتلتم ، وأنتم على الحقّ ، كان ذلك أسهل عليكم من أن ترتدّوا عن دينكم ، أو تتكاسلوا عن طاعة ربّكم .
--> ( 1 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 571 ) عن ابن عباس وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 371 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم والبيهقي في « دلائل النبوة » . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 111 .