عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
329
اللباب في علوم الكتاب
وقوله « فريقا » أي : طائفة من أموال النّاس ، والمراد « بالإثم » الظلم ، وقال ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - « الإثم » هنا هو اليمين الكاذبة « 1 » . فصل في الفسق بأخذ ما يطلق عليه اسم مال قال القرطبيّ « 2 » : اتّفق أهل السّنّة على أنّ من أخذ ما وقع عليه اسم مال ، قلّ أو كثر ، فإنّه يفسّق بذلك ، وأنه يحرم عليه أخذه ؛ خلافا لبشر بن المعتمر ، ومن تابعه من المعتزلة ؛ حيث قالوا : إنّ المكلّف لا يفسّق إلّا بأخذ مائتي درهم ، ولا يفسّق بدون ذلك . وقال ابن الجبّائيّ : لا يفسّق إلّا بأخذ عشرة دراهم ، ولا يفسّق بما دونها . وقال أبو الهذيل : يفسّق بأخذ خمسة دراهم ، فما فوقه ، ولا يفسّق بما دونها ، وهذا كلّه مردود بالقرآن ، والسّنّة ، وباتفاق علماء الأمّة بقوله - عليه الصّلاة والسّلام - : « إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام » « 3 » . وقوله تعالى : « وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ » جملة في محلّ نصب على الحال من فاعل « لتأكلوا » وذلك على رأي من يجيز تعدّد الحال ، وأمّا من لا يجيز ذلك ، فيجعل « بالإثم » غير حال . والمعنى : وأنتم تعلمون أنّكم مبطلون ، ولا شكّ أن الإقدام على القبيح ، مع العلم بقبحه أقبح ، وصاحبه بالتّوبيخ أحقّ ، وروي عن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - أنه قال : اختصم رجلان إلى النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، عالم بالخصومة ، وجاهل بها ، فقضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للعالم ، فقال من قضي عليه : يا رسول اللّه ، والّذي لا إله إلّا هو ، إنّي محقّ بحقّ فقال : إن شئت أعاوده ، فعاوده ، فقضى للعالم ، فقال المقضيّ عليه مثل ما قال أوّلا ، ثمّ عاوده ثالثا ، فقال النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « من اقتطع حقّ امرئ مسلم بخصومته ، فإنّما اقتطع قطعة من النّار » فقال العالم المقضيّ له : يا رسول اللّه ، إنّ الحقّ حقّه ، فقال - عليه الصّلاة والسّلام - : « من اقتطع بخصومته وجدله حقّ غيره ، فليتبوّأ مقعده من النّار » « 4 » .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 160 . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 227 . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 7 / 182 ) كتاب الأضاحي باب من قال الأضحى يوم النحر ( 5550 ) ومسلم كتاب القيامة ( 29 ، 30 ، 31 ) وأحمد ( 5 / 40 ) والبيهقي ( 5 / 166 ، 8 / 19 ) والطبراني في « الكبير » ( 5 / 316 ) وابن خزيمة ( 2809 ) وأبو نعيم في « الحلية » ( 4 / 343 ) وابن سعد ( 2 / 1 / 132 ) وابن عبد البرّ في « التمهيد » ( 10 / 231 ) والطحاوي في « شرح معاني الآثار » ( 4 / 159 ) والبخاري في « التاريخ الكبير » ( 7 / 85 ) وابن عساكر ( 6 / 58 ) والبغوي في تفسيره ( 3 / 91 ) والبيهقي في « دلائل النبوة » ( 5 / 39 ، 442 ) . ( 4 ) أخرجه مسلم كتاب الإيمان رقم ( 218 ) والنسائي ( 8 / 246 ) وأبو عوانة ( 1 / 32 ) وأحمد ( 5 / 260 ) والبيهقي ( 10 / 179 ) والطبراني في « الكبير » ( 1 / 246 ) والبغوي في « تفسيره » ( 1 / 370 ) والطحاوي في « مشكل الآثار » ( 1 / 186 ) وذكره المتقي الهندي في « كنز العمال » رقم ( 46353 ، 46373 ) . وانظر : تفسير القرطبي ( 4 / 120 ) ، ( 5 / 159 ) ، ( 6 / 268 ) .