عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
326
اللباب في علوم الكتاب
فصل في سبب تسمية الرشوة بالإدلاء في تسمية الرّشوة « 1 » بالإدلاء وجهان :
--> ( 1 ) الرشوة عند الشافعية : قال ابن الرفعة في « كفاية النبيه شرح التنبيه » عند قوله : ولا يجوز للقاضي أن يرتشي : لما روى أبو بكر بن المنذر ، عن أبي هريرة - رضي اللّه تعالى عنه - قال : « لعن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - الراشي والمرتشي » ، أخرجه ابن ماجة ، وروى ثوبان عن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « لعن اللّه الراشي والمرتشي الذي يمشي بينهما » وروى أنس نحوه ؛ ولأنه إن أخذ ليحكم بغير الحق حرام ، والأخذ عليه حرام . وإن أخذ على إيقاف الحكم ، فهو يلزمه الحكم لمن وجب له ، فتركه حرام ، وإن أخذ على أن يحكم بالحق ، فليس له أن يأخذ الرزق على ذلك من الإمام ، فليس له أن يأخذ عليه عوضا آخر . أما دفع الرشا فهو يجوز ، قال الأصحاب ، كما حكاه أبو الطيب الماوردي ، وابن الصباغ : - إن كان يطلب بها دفع الحكم بغير الحق ، أو إيقاف الحكم بالحق ، حرم عليه ، وإن كان يطلب بها وصولا إلى حقه ، لم يحرم عليه ، وإن كان حراما على غيره ، كما لا يحرم أن يفك الأسير بماله . قال في « المرشد » : ويحمل لعنة الراشي والمرتشي على ما إذا قصد بها إيقاف الحكم بالباطل ، ولذلك قال اللّه تعالى : لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ، والمتوسط بينهما هو تابع لموكله منهما ، فإن توكّل عنهما ، كان فعله حراما ، وهذا الكلام من الأصحاب يدل على أن الرشوة تكون لطلب حق ، ولطلب باطل . وقد حكي عن ابن كج أنه قال : الرشوة عطية ، بشرط أن يحكم له بغير حق ، والهدية عطية مطلقة ، وكلام الماوردي يخالفه ؛ فإنه قال : الرشوة ما تقدمت الحاجة ، والهدية ما تأخّرت ، والذي حكاه الغزالي - رحمه اللّه تعالى - في الإحياء منطبق على الأول ؛ فإنه قال : المال إن بذل لغرض أجل فهو قربة وصدقة ؛ وإن بذل لغرض مال في مقابلته ، فهو هبة بثواب مشروط ، أو متوقع ؛ وإن كان لغرض عمل محرم أو واجب متعين ، فهو رشوة ؛ وإن كان مباحا فإجارة أو جعالة ؛ وإن كان للتقرب والتودد للمبذول له ، فإن كان لمجرد نفسه ، فهدية وإن كان ليتوسل بجاهه إلى أغراض ومقاصد ، فإن كان جاهه بعلم أو صلاح أو نسب ، فهدية ، وإن كان بالقضاء والعمل بولاية ، فرشوة . قال القاضي أبو الطيب - رحمه اللّه تعالى - في تعليقه ، وكذا الشيخ أبو حامد : إن تحريم أخذ الرشوة على الحاكم إذا كان له رزق من بيت المال ، فأمّا إذا لم يكن له رزق ، أي : وكان ممّن يجوز أن يفرض قال للمتحاكمين : لست أقضي بينكما حتى تجعلا لي رزقا عليه ؛ فإنه حينئذ يحلّ له ذلك ، وعلى ذلك جرى الجرجاني - رحمه اللّه - في « التحرير » قال ابن الصباغ : ويجوز مثل ذلك ؛ لأنه لم يذكر أنه طلبه من أحدهما . والرشوة عند الحنفية ، قال في فتاوى قاضيخان : وإذا ارتشى ولد القاضي ، أو كاتبه ، أو بعض أعوانه ؛ ليعين الراشي عند القاضي ، ففعل ؛ إن لم يعلم القاضي بذلك ، نفذ قضاؤه ، وكان على المرتشي ردّ ما قبض ، وإن علم بذلك القاضي ، كان قضاؤه مردودا . وإذا تقلّد القضاء بالرشوة ، لا يصير قاضيا ، وتكون الرّشوة حراما على الراشي ، وعلى الآخذ ، ثم الرّشوة على وجوه أربع : منها : ما هو حرام من الجانبين أحدها هذه . والثاني : إذا دفع الرشوة إلى القاضي ؛ ليقضي له ، وهذه الرشوة حرام من الجانبين ، سواء كان القضاء بحق أو بغير حق . ومنها : إذا دفع الرشوة لخوف على نفسه أو ماله ، وهذه الرشوة حرام على الآخذ ، وغير حرام على -