عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

327

اللباب في علوم الكتاب

أحدهما : أن الرّشوة تقرّب البعيد من الحاجة ؛ كما أنّ الدّلو المملوء يصل من

--> - الدافع ؛ وكذا إذا طمع في ماله ، فرشاه ببعض ماله . ومنها : إذا دفع الرشوة ليسوي أمره عند السلطان ، فأحلّ له الدفع ، ولا يحلّ للآخذ أن يأخذها ، فإن أراد أن يحل للآخذ ، يستأجر الآخذ يوما إلى الليل بما يريد أن يدفع ، فإنه تجوز هذه الإجارة ، ثم المستأجر إن شاء استعمله في هذا العمل ، وإن شاء استعمله في عمل غيره ، هذا إذا أعطى الرشوة أولا ليسوّي أمره عند السلطان ، وإن طلب منه أن يسوّي أمره ولم يذكر الرشوة ؛ ثم أعطاه بعدما سوّى ، اختلفوا فيه : قال بعضهم : لا يحلّ له أن يأخذ . وقال بعضهم : يحل ، وهو الصحيح ؛ لأنه يراه مجازاة الإحسان فيحل له ؛ كما لو جمعوا للإمام والمؤذن شيئا ، وأعطوه من غير شرط - كان حسنا . وقال في « الفتاوى البزازية » : القاضي لا يقبل هدية الأجنبي والقريب ، إلا من كان يهدي قبله ، وإن زاد ، يرد الزيادة إلا أن تكون خصومة ، فلا يقبل منه أيضا ، فإن قبل وأمكنه الرد ، رد ، وإلا وضع في بيت المال ؛ وكذا في كل موضع ليس له القبول ، وإن كان يتأذى به المعطي ، أخذه ورد عليه قيمته ، فإن قضى ثم ارتشى أو عكس ، لا ينفذ ، وإن تاب ورد المأخوذ ، فهو على قضائه ، لأنه بالفسق لا ينعزل . والهدايا ثلاث : حلال من الجانبين للتودد ، وحرام منهما ؛ وهو الإهداء للإعانة على الظلم ، وحرام من جانب وهو الإهداء لكشف الظلم عنه ؛ فهو حرام على الآخذ حلال للمعطي . والرشوة عند المالكية : فقال في « مختصر خليل » وشرحه لتلميذه بهرام : وحرم ، يعني : طلب القضاء لجاهل وقاصد دنيا ؛ لأن الجاهل ربما أداه جهله إلى مخالفة ما هو متفق عليه ، والوقوع في الأمور المعضلة ، وطالب الدنيا ربما أداه ذلك إلى الحيف ؛ لتحصيل غرضه الفاسد . قال : ولا يحضر ، يعني القاضي في الولائم إلا وليمة النكاح خاصة ، ثم إن شاء أكل أو ترك من غير كراهة ، وإن كانت الوليمة لغير النكاح ، فأجيز له الحضور ، وكره إلا ما كان من جهة ولده ، أو والده ونحو ذلك . وفي « النوادر » عن أشهب : لا بأس أن يجيب الدعوة العامة وليمة ، أو صنيعا عاما لفرح ، فأما أن يدعى مع عامة لغير فرح ، فلا يجيب ، وكأنه دعي خاصة ، إذ لعله إنما صنع ذلك لأجل القاضي ؛ وكذا ليس له قبول هدية ، ولو كافأ عليها أضعافها ، وحمل الأشياخ قول ابن حبيب : لم يختلف العلماء في كراهة قبول الهدية ، وهو مذهب مالك ، وأهل السنة ، على المنع ، وسواء كان المهدي ممّن له عند القاضي خصومة ، أو لا ، وقاله مطر ، وابن الماجشون . وقال ابن عبد الحكم : له أن يقبل ممن لا خصومة له عنده . وقال أشهب : لا يقبلها من غير من يخاصم عنده ، إلا أن يكافأه عليها من قريب ، كولده ، وأخيه ، وعمه ، وابن عمه ، وخاله ، وخالته ، وعمته ، وبنتها ، ومن لا يدخل عليه به ظنه الشدة الداخلة والمنافية بينهما ، وكذلك ذكر محمد بن سحنون عن أبيه ، ونحوه في « الموازنة » وفي هدية من اعتادها قبل الولاية قولان : يريد جواز قبول القاضي الهدية ممّن كانت عادته ذلك قبل الولاية ، وعدم جوازه ، والجواز لابن عبد الحكم ، وقال مطرف وعبد الملك : لا ينبغي ذلك ، وهو محتمل للمنع والكراهية . وقال العلامة جلال الدين عبد اللّه بن شاش في كتابه « عقد الجواهر الثمينة في آداب القاضي » : ولا يقبل الهدية ممّن له خصومة ، ولا ممّن ليس له خصومة ، ولو كان ممّن يقبلها منه قبل الحكم ، أو كافأ عليها أضعافها ، إلا من ولده ، أو والده ، ومن أشبههم من خاصة القرابة ، فإن قبلها ، فهو سحت . انتهى . والرشوة عند الحنابلة : فقال في « شرح الإقناع » العلامة الشيخ منصور البهوتي - رحمه اللّه تعالى - : ويحرم على القاضي قبول رشوة بتثليث الراء ؛ لحديث ابن عمر رضي اللّه عنهما : « لعن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - الراشي والمرتشي » . قال الترمذي : حسن صحيح ، ورواه أبو بكر في « زاد المسافر » وزاد الرائش ، -