عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

325

اللباب في علوم الكتاب

والثاني : أنه منصوب على الصّرف ، وقد تقدّم معنى ذلك ، وأنه مذهب الكوفيّين ، وأنه لم يثبت بدليل . والثالث : أنه منصوب بإضمار « أن » في جواب النهي ، وهذا مذهب الأخفش « 1 » ، وجوّزه ابن عطيّة والزّمخشريّ ، ومكّيّ ، وأبو البقاء « 2 » ، قال أبو حيّان : « وأمّا إعراب الأخفش ، وتجويز الزمخشريّ ذلك هنا ، فتلك مسألة : « لا تأكل السّمك ، وتشرب اللّبن » قال النحويّون : إذا نصب ، كان الكلام نهيا عن الجمع بينهما ، وهذا المعنى : لا يصحّ في الآية لوجهين : أحدهما : أنّ النهي عن الجمع لا يستلزم النّهي عن كلّ واحد منهما على انفراده ، والنّهي عن كلّ واحد منهما يستلزم النّهي عن الجمع بينهما ؛ لأن الجمع بينهما حصول كلّ واحد منهما ، وكلّ واحد منهما منهيّ عنه ضرورة ؛ إلا ترى أنّ أكل المال بالباطل حرام ، سواء أفرد أم جمع مع غيره من المحرّمات ؟ والثاني - وهو أقوى - : أنّ قوله « لتأكلوا » علّة لما قبلها ، فلو كان النهي عن الجمع ، لم تصحّ العلّة له ؛ لأنّه مركّب من شيئين ، لا تصحّ العلّة أن تترتّب على وجودهما ، بل إنما تترتّب على وجود أحدهما ، وهو الإدلاء بالأموال إلى الحكام » . والإدلاء مأخوذ من إدلاء الدّلو ، وهو إرساله إلى البئر ؛ للاستقاء ؛ يقال : « أدلى دلوه » إذا أرسلها ، ودلاها : إذا أخرجها ، ثم جعل كلّ إلقاء قول أو فعل إدلاء ؛ ومنه يقال للمحتجّ أدلى بحجّته ، كأنه يرسلها ، ليصل إلى مراده ؛ كإدلاء المستقي الدلو ؛ ليصل إلى مطلوبه من الماء ، وفلان يدلي إلى الميّت بقرابة ، أو رحم ؛ إذا كان منتسبا ، فيطلب الميراث بتلك النّسبة . و « بها » متعلّق ب « تدلوا » وفي الباء قولان : أحدهما : أنها للتعدية ، أي لترسلوا بها إلى الحكّام . والثاني : أنّها للسبب ؛ بمعنى أن المراد بالإدلاء الإسراع بالخصومة في الأموال ؛ إمّا لعدم بيّنة عليها ، أو بكونها أمانة ؛ كمال الأيتام ، والضمير في « بها » : الظاهر أنه للأموال ، وقيل : إنه لشهادة الزّور ؛ لدلالة السّياق عليها ، وليس بشيء . و « من أموال » في محلّ نصب صفة ل « فريقا » أي : فريقا كائنا من أموال النّاس . قوله : « بالإثم » تحتمل هذه الباء : أن تكون للسّبب ، فتتعلّق بقوله : « لتأكلوا » وأن تكون للمصاحبة ، فتكون حالا من الفاعل في « لتأكلوا » وتتعلق بمحذوف أي : لتأكلوا ملتبسين بالإثم .

--> ( 1 ) ينظر : معاني القرآن للأخفش 1 / 160 . ( 2 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 84 .