عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

322

اللباب في علوم الكتاب

قوله : « كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ » الكاف في محلّ نصب : إمّا نعتا لمصدر محذوف ، أي : بيانا مثل هذا البيان . فإنّه لما بيّن أحكام الصّوم على الاستقصاء في هذه الآية بالألفاظ القليلة بيانا شافيا وافيا - قال بعده : « كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ » أي مثل هذا البيان الوافي الواضح . أو حالا من المصدر المحذوف ؛ كما هو مذهب سيبويه . قال أبو مسلم « 1 » : أراد بالآيات الفرائض الّتي بيّنها ؛ كما قال سبحانه سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ [ النور : 1 ] ثم فسّر الآيات بقوله : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي [ النور : 2 ] إلى سائر ما بيّنه من أحكام الزّنا ، فكأنه تعالى قال : كذلك يبيّن اللّه آياته للنّاس ما شرعه لهم ؛ ليتّقوه ، فينجوا من عذاب اللّه . قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 188 ] وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 188 ) قوله : بَيْنَكُمْ : في هذا الظرف وجهان : أحدهما : أن يتعلّق ب « تأكلوا » بمعنى : لا تتناقلوها فيما بينكم بالأكل . والثاني : أنه متعلّق بمحذوف ؛ لأنه حال من « أموالكم » أي : لا تأكلوها كائنة بينكم ، وقدّره أبو البقاء « 2 » أيضا بكائنة بينكم ، أو دائرة بينكم ؛ وهو في المعنى كقوله : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ [ البقرة : 282 ] ، وفي تقدير « دائرة » - وهو كون مقيّد - نظر ، إلّا أن يقال : دلّت الحال عليه . قوله : « بالباطل » فيه وجهان : أحدهما : تعلّقه بالفعل ، أي : لا تأخذوها بالسبب الباطل . الثاني : أن يكون حالا ؛ فيتعلّق بمحذوف ، ولكن في صاحبها احتمالان : أحدهما : أنه المال ؛ كأنّ المعنى : لا تأكلوها ملتبسة بالباطل . والثاني : أن يكون الضمير في « تأكلوا » كأنّ المعنى : لا تأكلوها مبطلين ، أي : ملتبسين بالباطل . فصل في سبب نزول الآية قيل : نزلت هذه الآية في امرئ القيس بن عابس الكندي ، ادعى عليه ربيعة بن عبدان الحضرميّ عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أرضا ، فقال : إنه غلبني عليها ، فقال النّبيّ - صلوات اللّه وسلامه عليه دائما أبدا - للحضرميّ : « ألك بيّنة » ؟ قال : لا ؛ قال : « فلك يمينه » فانطلق

--> ( 1 ) ينظر تفسير الفخر الرازي 5 / 99 . ( 2 ) ينظر : الإملاء 1 / 84 .