عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
323
اللباب في علوم الكتاب
ليحلف ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أما إن يحلف على ماله ، ليأكله ظلما ، ليلقينّ اللّه ، وهو عنه معرض » فأنزل اللّه « وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ » أي : لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل « 1 » ، أي : من غير الوجه الذي أباحه اللّه ، و « الباطل » في اللغة الذّاهب الزائل ، يقال : بطل الشّيء بطولا وبطلانا ، فهو باطل ، وجمع الباطل : بواطل ، وأباطيل جمع أبطولة ، يقال : بطل الأجير يبطل بطالة ، إذا تعطّل ، وتبطّل : اتّبع اللّهو ، وأبطل فلان ، إذا جاء بالباطل ، وقوله تعالى : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ [ فصلت : 42 ] قال قتادة « 2 » : هو إبليس ؛ لا يزيد في القرآن ، ولا ينقص ، وقوله عزّ وجلّ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ [ الشورى : 24 ] يعني : الشّرك ، والبطلة : السّحرة . قوله : « لا تأكلوا » ليس المراد منه الأكل خاصّة ؛ لأنّ غير الأكل من التصرّفات ؛ كالأكل في هذا الباب ، لكنّه لمّا كان المقصود الأعظم من المال ، إنّما هو الأكل ، وصار العرف فيمن أنفق ماله ، أن يقال : أكله ؛ فلهذا عبّر عنه بالأكل . فصل فيما يحل ويحرم من الأموال قال الغزاليّ - رحمه اللّه تعالى - في كتاب « الإحياء » : المال إنّما يحرم إما لمعنى في عينه ، أو لخلل في جهة اكتسابه : فالقسم الأول : الحرام لمعنى في عينه . اعلم أنّ الأموال : إمّا أن تكون من المعادن ، أو من النبات ، أو من الحيوانات . أما المعادن وهي أجزاء الأرض فلا يحرم شيء منها ، إلّا من حيث يضر بالأكل وبعضها ما يجري مجرى السّمّ . وأما النبات : فلا يحرم منه إلّا ما يزيل الحياة ، أو الصّحّة ، أو العقل . فمزيل الحياة : كالسّموم ، ومزيل الصّحّة : الأدوية في غير وقتها ، ومزيل العقل : الخمر ، والبنج ، وسائر المسكرات . وأما الحيوانات : فتقسم إلى ما يؤكل ، وإلى ما لا يؤكل . وما يؤكل : إنّما يحلّ ، إذا ذكّي ذكاته الشّرعيّة ، ثم إذا ذكّيت ، فلا تحلّ جميع أجزائها ، بل يحرم منها الدّم ، والفرث . القسم الثاني : ما يحرم لخلل في جهة إثبات اليد عليه ، فنقول : أخذ المال : إما أن يكون باختيار المالك أو بغير اختياره ؛ كالإرث ، والذي باختياره : إما أن يكون مأخوذا بأمر مالكه ، وإمّا أن يكون قهرا ، أو بالتّراضي .
--> ( 1 ) أخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير كما في « الدر المنثور » ( 1 / 367 ) . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 226 .