عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
321
اللباب في علوم الكتاب
ضدّه ، فبهذا الاعتبار كانت عدّة مناه ، ثم جاء آخرها صريح النهي ، وهو : « ولا تباشروهنّ » فأطلق على الكل « حدودا » ؛ تغليبا للمنطوق به ، واعتبارا بتلك المناهي الّتي تضمّنتها الأوامر ، فقيل فيها حدود ، وإنما اضطررنا إلى هذا التأويل ؛ لأنّ المأمور به لا يقال فيه « فلا تقربوها » . وقال أبو مسلم الأصفهانيّ « 1 » : « لا تقربوها » أي : لا تتعرّضوا لها بالتغيير ؛ لقوله تعالى : وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [ الإسراء : 34 ] . قال أبو البقاء « 2 » : دخول الفاء هنا عاطفة على شيء محذوف ، تقديره : « تنبّهوا فلا تقربوها » ، ولا يجوز في هذه الفاء أن تكون زائدة كالتي في قوله تعالى : وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [ البقرة : 40 ] على أحد القولين ؛ لأنه كان ينبغي أن ينتصب « حدود اللّه » على الاشتغال ؛ لأنه الفصيح فيما وقع قبل أمر أو نهي ، نحو : « زيدا فاضربه ، وعمرا فلا تهنه » فلمّا أجمعت القرّاء هنا على الرفع ، علمنا أن هذه الجملة التي هي « فلا تقربوها » منقطعة عمّا قبلها ، وإلا يلزم وجود غير الفصيح في القرآن . والحدود : جمع حدّ ، وهو المنع ، ومنه قيل للبوّاب : حدّاد ، لأنّه يمنع من العبور قال اللّيث - رحمه اللّه تعالى - : وحدّ الشيء منتهاه ومنقطعة ، ولهذا يقال : الحدّ مانع جامع ، أي : يمنع غير المحدود الدّخول في المحدود . وقال الأزهريّ : ومنه يقال للمحروم ، محدود ؛ لأنّه ممنوع عن الرّزق ، وحدود اللّه ما يمنع مخالفتها ، وسمّي الحديد حديدا ؛ لما فيه من المنع ، وكذلك : إحداد المرأة ؛ لأنّها تمتنع من الزينة . والنّهيّ عن القربان أبلغ من النّهي عن الالتباس بالشيء ؛ فلذلك جاءت الآية الكريمة . وقال هنا : « فَلا تَقْرَبُوها » وفي مواضع أخر : فَلا تَعْتَدُوها [ البقرة : 229 ] ومثله وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ [ البقرة : 229 ] وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ [ النساء : 14 ] لأنه غلّب هنا جهة النهي ؛ إذ هو المعقّب بقوله : « تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ » وما كان منهيّا عن فعله ، كان النهيّ عن قربانه أبلغ ، وأمّا الآيات الأخر ، فجاء « فَلا تَعْتَدُوها » عقيب بيان أحكام ذكرت قبل ؛ كالطلاق ، والعدّة ، والإيلاء ، والحيض ، والمواريث ؛ فناسب أن ينهى عن التعدّي فيها ، وهو مجاوزة الحدّ الذي حدّه اللّه تعالى فيها . قال السّدّيّ : المراد بحدود اللّه شروط اللّه « 3 » وقال شهر بن حوشب : فرائض اللّه « 4 » .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 99 . ( 2 ) ينظر : الإملاء لأبي البقاء 1 / 83 . ( 3 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 547 ) عن السدي . ( 4 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 159 .