عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
31
اللباب في علوم الكتاب
فصل في الكلام على الآية في الآية قولان : القول الأول : وهو المشهور الذي عليه أكثر المفسّرين أن ذلك كان لانتظار تحويله من « بيت المقدس » إلى الكعبة ، وذكروا في ذلك وجوها : أحدها : أنه كان يكره التوجّه إلى بيت المقدس ، ويحبّ التوجّه إلى الكعبة ، إلّا أنه ما كان يتكلّم بذلك ، فكان يقلّب وجهه في السّماء لهذا المعنى . روي عن عباس أنه [ صلى اللّه عليه وسلم ] قال : « يا جبريل وددت أنّ اللّه - تعالى - صرفني عن قبلة اليهود ، إلى عينها فقد كرهتها » . فقال جبريل عليه الصلاة والسلام « أنا عبد مثلك فاسأل ربّك ذلك » . فجعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يديم النّظر إلى السماء ؛ رجاء مجيء جبريل بما سأل ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية « 1 » ، وهؤلاء ذكروا في سبب هذه المحنة أمورا : الأول : أنّ اليهود كانوا يقولون : إنه يخالفنا ، ثم إنه يتبع قبلتنا ، ولولا نحن لم يدر أين يستقبل . فعند ذلك كره أن يتوجّه إلى قبلتهم « 2 » . الثّاني : أنّ الكعبة كانت قبلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام . [ الثّالث : أنه - صلوات اللّه وسلامه عليه - كان يقدّر أن يصير ذلك سببا لاستمالة العرب ، ولدخولهم في الإسلام . الرّابع : أنه - عليه الصلاة والسلام - أحبّ ] « 3 » أن يحصل هذا الشرف للمسجد الذي في بلدته ومنشئه لا في مسجد آخر . واعترض القاضي على هذا الوجه ، وقال : إنه لا يليق به - عليه الصلاة والسلام - أن يكره قبلة أمر أن يصلّي إليها ، ويحبّ أن يحوله ربّه عنها إلى قبلة يهواها بطبعه ، ويميل إليها بحسب شهوته ؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - علم أنّ الصّلاح في خلاف الطّبع والميل . قال ابن الخطيب : وهذا قليل التحصيل ؛ لأنّ المستنكر من الرسول - عليه الصلاة والسلام - أن يعرض عما أمره اللّه - تعالى - به ، ويشتغل بما يدعوه طبعه إليه . فأما أن يميل قلبه إلى شيء ، فيتمنى في قلبه أن يأذن اللّه له فيه ، فذلك مما لا إنكار
--> ( 1 ) أخرجه ابن سعد في « الطبقات الكبرى » ( 1 / 2 / 3 ) . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 3 / 173 - 174 ) عن مجاهد ، وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 1 / 269 ) وزاد نسبته لعبد بن حميد . ( 3 ) سقط في أ .