عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

32

اللباب في علوم الكتاب

عليه ، لا سيما إذا لم ينطق به ، [ أي بعد في أن يميل طبع الرسول إلى شيء ، فيتمنى في قلبه أن يأذن اللّه له فيه ، وهذا مما لا استبعاد فيه بوجه من الوجوه ] « 1 » . الوجه الثاني : أنه - عليه الصلاة والسلام - قد استأذن جبريل - عليه السلام - في أن يدعو اللّه - تعالى - بذلك ، فأخبره جبريل - عليه الصلاة والسلام - بأن اللّه قد أذن له في هذا الدعاء ، وذلك لأن الأنبياء لا يسألون اللّه تعالى شيئا إلا بإذن منه ، لئلا يسألون ما لا صلاح فيه ، فلا يجابوا إليه ، فيفضي ذلك إلى تحقير شأنهم ، فلما أذن اللّه - تعالى - له في الإجابة ، علم أنه يستجاب إليه ، فكان يقلّب وجهه في السّماء ينتظر مجيء جبريل - عليه السلام - بالوحي في الإجابة . الوجه الثالث : قال الحسن : إن جبريل - عليه السلام - أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يخبره أن اللّه - تعالى سيحوّل القبلة عن بيت المقدس إلى قبلة أخرى ، ولم يبين له إلى أي موضع يحوّلها ، ولم تكن قبلة أحبّ إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام - من الكعبة ، فكان رسول اللّه يقلّب وجهه في السّماء ينتظر الوحي ؛ لأنه - عليه السلام - علم أنّ اللّه تعالى لا يتركه بغير صلاة ، فأتاه جبريل عليه السلام ، فأمره أن يصلّي نحو الكعبة . والقائلون بهذا الوجه اختلفوا ، فمنهم من قال : إنه - عليه السلام - منع من استقبال « بيت المقدس » ولم يعين له القبلة ، فكان يخاف أن يرد وقت الصلاة ، ولم تظهر القبلة ، فتتأخر صلاته ، فلذلك كان يقلّب وجهه . عن الأصم . وقال آخرون : بل وعد بذلك ، وقبلة بيت المقدس باقية ، بحيث تجوز الصلاة إليها ، لكن لأجل الوعد كان يتوقع ذلك ، ولأنه كان يرجو عند التحويل عن « بيت المقدس » إلى « الكعبة » وجوها كثيرة من المصالح الدينية : نحو : رغبة العرب في الإسلام ، والمباينة عن اليهود ، وتمييز الموافق من المنافق ، لهذا كان يقلّب وجهه ، وهذا الوجه أولى ، وإلّا لما كانت القبلة الثانية ناسخة للأولى ، [ بل كانت مبتدأة . والمفسرون أجمعوا على أنها ناسخة للأولى ] « 2 » ، ولأنه لا يجوز أن يؤمر بالصلاة إلّا مع بيان موضع التوجّه . الرابع : أن تقلب وجهه في السّماء هو الدعاء . القول الثاني : وهو قول أبي مسلم الأصفهاني ، قال : لولا الأخبار التي دلّت على هذا القول ، وإلا فلفظ الآية يحتمل وجها آخر ، وهو أنه يحتمل أنه - عليه الصلاة والسلام - إنما كان يقلّب وجهه في أول مقدمه « المدينة » .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ .