عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
309
اللباب في علوم الكتاب
وقال ابن زيد : إنّ كلّ واحد منهما يستر صاحبه عند الجماع عن أبصار النّاس . وقال أبو عبيدة وغيره : يقال للمرأة : هي لباسك وفراشك وإزارك ، وقيل : اللّباس اسم لما يواري الشّيء ، فيجوز أن يكون كلّ واحد منهما سترا لصاحبه عمّا لا يحلّ ؛ كما ورد في الحديث : « من تزوّج فقد ستر ثلثي دينه » . الثاني : أن كلّ واحد منهما يخصّ نفسه بالآخر ؛ كما يخصّ لباسه بنصيبه . قال الواحديّ « 1 » - رحمه اللّه - : إنما وحّد « اللّباس » بعد قوله تعالى : « هنّ » ؛ لأنه يجري مجرى المصدر ، و « فعال » من مصادر « فاعل » ، وتأويله : وهنّ ملابسات لكم . فصل في معنى « تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ » قال القرطبيّ « 2 » : معنى « عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ » أي : يستأمر بعضكم بعضا في مواقعة المحظور من الجماع والأكل بعد النّوم في ليالي الصّوم ؛ كقوله تعالى : تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ [ البقرة : 85 ] أي : يقتل بعضكم بعضا ، ويحتمل أن يريد به كلّ واحد منهم في نفسه ؛ بأنه يخونها وسمّاه خائنا لنفسه من حيث كان ضرره عائدا عليه ؛ كما تقدّم . فصل [ في المراد بالخيانة ] قال ابن الخطيب « 3 » : إنّه تعالى ذكر هاهنا أنّهم كانوا يختانون أنفسهم ، ولم يبيّن تلك الخيانة فيماذا ، فلا بدّ من حملها على شيء له تعلّق بما تقدّم وما تأخّر ، والذي تقدّم هو ذكر الجماع ، والذي تأخّر هو قوله تعالى : « فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ » فيجب أن يكون المراد بهذه الخيانة الجماع وهاهنا قولان : الأول : علم اللّه أنّكم كنتم تستترون بالمعصية بالجماع بعد العتمة ، والأكل بعد النّوم ، وترتكبون المحرّم من ذلك وكلّ من عصى اللّه ، فقد خان نفسه ؛ وعلى هذا القول : يجب أن يقطع بأنّ ذلك وقع من بعضهم ؛ فدلّ على تحريم سابق ، لأنّه لا يمكن حمله على وقوعه من جميعهم للعادة والإخبار ، وإذا صحّ وقوعه من بعضهم ، دلّ على تحريم سابق ، ولأبي مسلم أن يقول : قد بيّنّا أنّ الخيانة عبارة عن عدم الوفاء بما يجب عليهم ، فأنتم حملتموه على عدم الوفاء بما هو أحقّ بطاعة اللّه ، ونحن حملناه على عدم الوفاء بما هو حقّ للنفس ، وهذا أولى ؛ لأنّ اللّه تعالى لم يقل : علمك [ اللّه ] أنّكم كنتم تختانونه [ أنفسكم ] ، وإنما قال : تختانون أنفسكم ، وكان حمل اللفظ على ما ذكرنا ، إن لم يكن أولى ، فلا أقلّ من التساوي ، وبهذا التقدير : لا يثبت النّسخ « 4 » .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 91 . ( 2 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 212 . ( 3 ) ينظر : تفسير الفخر 5 / 91 . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر 5 / 91 .