عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

310

اللباب في علوم الكتاب

القول الثاني : أنّ المراد « عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ » لو دامت تلك الحرمة ، فمعناه : أنّ اللّه يعلم أنّه لو دام ذلك التكليف الشّاقّ ، لوقعوا في الخيانة ، وعلى هذا التقدير : ما وقعت الخيانة ، فيمكن أن يقال : التفسير الأوّل أولى ؛ لأنّ لا حاجة فيه إلى إضمار الشّرط ، وأن يقال : بل الثاني أولى ؛ لأنّه على الأوّل يصير إقدامهم على المعصية سببا لنسخ التكليف ، وعلى الثاني : علم اللّه أنه لو دام ذلك التكليف ، لحصلت الخيانة ، فنسخ التكليف رحمة من اللّه على عباده ، حتى لا يقعوا في الخيانة . وأمّا قوله تعالى « فَتابَ عَلَيْكُمْ » فمعناه على قول أبي مسلم « 1 » : فرجع عليكم بالإذن في هذا الفعل والتّوسعة عليكم ، وعلى قول مثبتي النّسخ لا بدّ فيه من إضمار ، تقديره : تبتم ، فتاب عليكم ، وقوله « وَعَفا عَنْكُمْ » على قول أبي مسلم « 2 » : أوسع عليكم بإباحة الأكل والشّرب والمباشرة في طول اللّيل ، ولفظ « العفو » يستعمل في التوسعة والتخفيف ؛ كما قدّمناه ، وعلى قول مثبتي النّسخ ، لا بد وأن يكون تقديره : عفا عن ذنوبكم ، وهذا مما يقوّي قول أبي مسلم ؛ لأن تفسيره لا يحتاج إلى إضمار ، وتفسير مثبتي النّسخ يحتاج إلى إضمار وتفسير . قوله : « فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ » قد تقدّم الكلام على « الآن » وفي وقوعه ظرفا للأمر تأويل ، وذلك أنه للزمن الحاضر ، والأمر مستقبل أبدا ، وتأويله ما قاله أبو البقاء « 3 » ؛ قال : « والآن : حقيقته الوقت الذي أنت فيه ، وقد يقع على الماضي القريب منك ، وعلى المستقبل القريب ، تنزيلا للقريب منزلة الحاضر ، وهو المراد هنا ، لأنّ قوله : « فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ » ، أي : فالوقت الذي كان يحرّم عليكم فيه الجماع من اللّيل » ، وقيل : هذا كلام محمول على معناه ، والتقدير : فالآن قد أبحنا لكم مباشرتهنّ ، ودلّ على هذا المحذوف لفظ الأمر ، فالآن على حقيقته . وسمّي الوقاع مباشرة ، لتلاصق البشرتين فيه : قال ابن العربيّ « 4 » : وهذا يدلّ على أنّ سبب الآية جماع عمر ، لا جوع قيس ، لأنه لو كان السّبب جوع قيس ، لقال : « فالآن كلوا » ابتداء به ؛ لأنه المهمّ الذي نزلت الآية لأجله . وقرأ « 5 » ابن عباس - رضي اللّه عنهما - : « واتّبعوا » من « الاتّباع » وتروى عن معاوية بن قرة والحسن البصريّ ، وفسّروا « ما كَتَبَ اللَّهُ » بليلة القدر ، أي : اتّبعوا ثوابها ، قال الزمخشريّ : « وهو قريب من بدع التّفاسير » . وقرأ الأعمش « وابغوا » .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 92 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 92 . ( 3 ) ينظر : الإملاء 1 / 83 . ( 4 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 212 . ( 5 ) انظر : المحرر الوجيز 1 / 258 ، والبحر المحيط 2 / 57 ، والدر المصون 1 / 475 .