عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

308

اللباب في علوم الكتاب

وقوله : « هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ » لا محلّ له من الإعراب ؛ لأنه بيان للإحلال ، فهو استئناف وتفسير . يعني إذا حصلت بينكم وبينهنّ مثل هذه المخالطة والملابسة ، قلّ صبركم عنهنّ ، وضعف عليكم اجتنابهنّ ؛ فلذلك رخّص لكم في مباشرتهنّ . وقدّم قوله : « هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ » على « وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ » ؛ تنبيها على ظهور احتياج الرجل للمرأة وعدم صبره عنها ؛ ولأنّه هو البادىء بطلب ذلك ، وكنى باللباس عن شدّة المخالطة ؛ كقوله - هو النابغة الجعديّ - : [ المتقارب ] 957 - إذا ما الضّجيع ثنى جيدها * تثنّت عليه فكانت لباسا « 1 » وفيها أيضا : [ المتقارب ] 958 - لبست أناسا فأفنيتهم * وأفنيت بعد أناس أناسا « 2 » قال القرطبيّ « 3 » : وشدّدت النّون من « هنّ » لأنها بمنزلة الميم والواو في المذكّر . وورد لفظ « اللّباس » على أربعة أوجه : الأول : بمعنى السّكن ؛ كهذه الآية . الثاني : الخلط ؛ قال تبارك وتعالى : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [ الأنعام : 82 ] ، أي : لم يخلطوا . الثالث : العمل الصالح ؛ قال تعالى : وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى [ الأعراف : 26 ] ، أي : عمل التقوى . الرابع : اللّباس بعينه ؛ قال تعالى : يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً [ الأعراف : 26 ] . فصل في وجوه تشبيه الزوجين باللّباس في تشبه الزّوجين باللّباس وجوه : أحدها : أنه لمّا انضمّ جسد كلّ واحد منهما إلى الآخر ؛ كالثّوب الذي لبس ، سمّي كلّ واحد منهما لباسا . قال الرّبيع : هنّ فراش لكم ، وأنتم لحاف لهنّ « 4 » .

--> ( 1 ) ينظر : ديوانه 81 ، القرطبي 2 / 211 ، الكشاف 1 / 230 ، مشكل القرآن 142 ، والدر المصون 1 / 474 . ( 2 ) ينظر : اللسان « لبس » والقرطبي 2 / 311 ، وتهذيب اللغة 12 / 443 ( لبس ) ، والدر المصون 1 / 474 . ( 3 ) ينظر : تفسير القرطبي 2 / 211 . ( 4 ) أخرجه الطبري في تفسيره ( 3 / 491 ) عن الربيع بن أنس وذكره الفخر الرازي في « التفسير الكبير » ( 5 / 90 ) والقرطبي في « تفسيره » ( 2 / 212 ) .