عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

307

اللباب في علوم الكتاب

تعالى ذلك ، وأزال الشّبهة بقوله : « فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ » . وعن السادس : بأنّ في الآية الكريمة ما يدلّ على ضعف هذه الرّواية ؛ لأن الرواية أنّ القوم اعترفوا بما فعلوا عند الرسول - عليه الصّلاة والسّلام - وذلك خلاف قوله تعالى : « عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ » ؛ لأنّ ظاهره المباشرة ، لأنّه افتعال من الخيانة . قوله : « كُنْتُمْ تَخْتانُونَ » في محلّ رفع خبر ل « أنّ » . و « تختانون » في محلّ نصب خبر ل « كان » . قال أبو البقاء « 1 » : و « كنتم » هنا لفظها لفظ الماضي ، ومعناها أيضا ، والمعنى : أنّ الاختيان كان يقع منهم ، فتاب عليهم منه ، وقيل : إنّه أراد الاختيان في الاستقبال ، وذكر « كان » ليحكي بها الحال ؛ كما تقول : إن فعلت ، كنت ظالما » وفي هذا نظر لا يخفى . و « تختانون » تفتعلون من الخيانة ، وعين الخيانة واو ؛ لقولهم : خان يخون ، وفي الجمع : خونة ، يقال : خان يخون خونا ، وخيانة ، وهي ضدّ الأمانة ، وتخوّنت الشّيء تنقّصته ؛ قال زهير في ذلك البيت : [ الوافر ] 956 - بآرزة الفقارة لم يخنها * قطاف في الرّكاب ولا خلاء « 2 » وخان السّيف إذا نبا عن الضّربة ، وخانه الدّهر ، إذا تغيّر حاله إلى الشّرّ ، وخان الرّجل الرّجل ، إذا لم يؤدّ الأمانة ، وناقض العهد خائن ، إذا لم يف ، ومنه قوله تعالى : وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً [ الأنفال : 58 ] والمدين خائن ؛ لأنّه لم يف بما يليق بدينه ؛ ومنه قوله تعالى : لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ [ الأنفال : 27 ] وقال تعالى : وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ [ الأنفال : 71 ] فسمّيت المعصية بالخيانة . وقال الزمخشريّ : « والاختيان : من الخيانة ؛ كالاكتساب من الكسب ، فيه زيادة وشدّة » ؛ يعني من حيث إنّ الزيادة في اللفظ تنبىء عن زيادة في المعنى ، كما قدّمه في قوله تعالى : « الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » * وقيل هنا : تختانون أنفسكم ، أي : تتعهّدونها بإتيان النّساء ، وهذا يكون بمعنى التّخويل ، يقال : تخوّنه وتخوّله بالنون واللام ، بمعنى تعهّده ، إلا أنّ النون بدل من اللّام ؛ لأنه باللام أشهر . و « علم » إن كانت المتعدية لواحد ، تكون بمعنى عرف ، فتكون « أنّ » وما في حيّزها سادّة مسدّ مفعول واحد ، وإن كانت المتعدية لاثنين ، كانت سادة مسدّ المفعولين على رأي سيبويه « 3 » - رحمه اللّه - ومسدّ أحدهما ، والآخر محذوف على مذهب الأخفش .

--> ( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 83 . ( 2 ) ينظر : ديوانه ( 15 ) والخصائص 2 / 151 ، واللسان « خلا » والدر المصون 1 / 474 . ( 3 ) ينظر : الكتاب لسيبويه 1 / 64 .