عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
306
اللباب في علوم الكتاب
وأجاب أبو مسلم « 1 » عن الأوّل : بأنّ التشبيه يكفي في صدقه المشابهة في أصل الوجوب . وعن الثّاني : بأنّا لا نسلّم أنّ هذه الحرمة كانت ثابتة في شرع من قبلنا ، فقوله : « أحلّ لكم » معناه : أحلّ لكم ما كان محرّما على غيركم . وعن الثالث : بأنّ تلك الحرمة كانت ثابتة في شرع عيسى - عليه السلام - ثم إن اللّه تعالى أوجب الصيام علينا ، ولم ينقل زوال تلك الحرمة ، فكان يخطر ببالهم أنّ تلك الحرمة باقية علينا ، لأنّه لم يوجد في شرعنا ما دلّ على زوالها ، وممّا يزيد هذا الوهم قوله سبحانه : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ » وكان مما كتب على الذين من قبلنا هذه الحرمة ؛ فلهذا كانوا يعتقدون بقاء تلك الحرمة في شرعنا ، فشدّدوا وأمسكوا عن هذه الأمور ، فقال تبارك وتعالى : « عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ » فيكون المراد من الآية الكريمة أنه لو لم أبيّن لكم إحلال الأكل والشّرب والمباشرة طوال اللّيل ، لكنتم تنقصون أنفسكم شهواتها وتمنعونها لذّاتها ومصلحتها ؛ بالإمساك عن ذلك بعد النّوم ؛ كسنّة النصارى ، وأصل الخيانة : النّقص . وعن الرابع : أن التوبة من العبد : الرّجوع إلى اللّه تعالى بالعبادة ، ومن اللّه سبحانه : الرّجوع إلى العبد بالرحمة والإحسان ، وأما العفو فهو التجاوز ، فبيّن اللّه تعالى إنعامه علينا بتخفيف ما كان ثقيلا على من قبلنا ، والعفو قد يستعمل في التوسعة والتخفيف ؛ قال - عليه الصّلاة والسّلام - : « عفوت لكم عن صدقة الخيل والرّقيق » « 2 » وقال عليه الصّلاة والسّلام : « في أوّل الوقت رضوان اللّه ، وفي آخره عفو اللّه » « 3 » والمراد منه التخفيف بتأخير الصّلاة إلى آخر الوقت ؛ ويقال أتاني هذا المال عفوا ، أي : سهلا . وعن الخامس : بأنّهم كانوا بسبب تلك الشّبهة ممتنعين عن المباشرة ، فبيّن اللّه
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 88 . ( 2 ) أخرجه أبو داود ( 2 / 101 ) كتاب الزكاة باب في زكاة السائمة ( 1574 ) والترمذي ( 3 / 16 ) كتاب الزكاة باب ما جاء في زكاة الذهب والورق ( 620 ) والنسائي ( 5 / 37 ) رقم ( 2477 ) وابن ماجة ( 1 / 570 ) كتاب الزكاة باب زكاة الورق والذهب ( 1790 ) وأحمد ( 1 / 92 ) والبغوي في « شرح السنة » ( 3 / 347 ) وابن خزيمة ( 2284 ) والطبراني في « المعجم الصغير » ( 1 / 232 ) و ( 2 / 130 ) وذكره الحافظ ابن حجر في « الفتح » ( 8 / 88 ) وفي « تلخيص الحبير » ( 2 / 149 ) . ( 3 ) أخرجه الترمذي ( 1 / 321 ) كتاب الصلاة : باب ما جاء في الوقت الأول من الفضل ( 172 ) والدارقطني ( 1 / 246 ) من طريق يعقوب بن الوليد المدني عن عبد اللّه بن عمر عن نافع عن ابن عمر مرفوعا بلفظ : ( الوقت الأول من الصلاة رضوان اللّه والوقت الآخر عفو اللّه ) . وقال الترمذي هذا حديث غريب . قال الحافظ في « التلخيص » ( 1 / 108 ) : ويعقوب قال أحمد : كان من الكذابين الكبار وكذبه ابن معين وقال النسائي : متروك . وقال ابن حبان كان يضع الحديث وما روى هذا الحديث غيره وقال الحاكم العمل فيه عليه وقال البيهقي : يعقوب كذبه سائر الحفاظ ونسبوه إلى الوضع .