عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

286

اللباب في علوم الكتاب

وأما السماع : فنقول : إذا شهد عدلان على رؤية الهلال ، حكم به في الصّوم والفطر جميعا ، وإذا شهد عدل واحد على رؤية هلال شوّال ، لا يحكم به ، وإذا شهد على رؤية هلال رمضان يحكم به ؛ احتياطا لأمر الصّوم ، والفرق بينه وبين هلال شوّال : أنّ هلال رمضان للدّخول في العبادة ، وهلال شوال للخروج من العبادة ، وقول الواحد في إثبات العبادة يقبل ، أما في الخروج من العبادة لا يقبل إلا اثنان . قال ابن الخطيب « 1 » وعندي : أنه لا فرق بينهما في الحقيقة ، لأنا إنما قبلنا قول الواحد في هلال رمضان ؛ لكي يصوموا ، ولا يفطروا ؛ احتياطا ؛ فكذلك يقبل قول الواحد في هلال شوّال ؛ لكي يفطروا ولا يصوموا احتياطا . فصل في حدّ الصوم الصّوم : هو الإمساك عن المفطرات مع العلم بكونه صائما من أوّل الفجر الصّادق إلى غروب الشّمس مع النّيّة . فقولنا : « إمساك » هو الاحتزاز عن شيئين : أحدهما : لو طارت ذبابة إلى حلقه ، أو وصل غبار الطريق إلى باطنه ، لا يبطل صومه ؛ لأنّ الاحتزاز عنه شاقّ ، وقد قال اللّه تعالى : « يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ » . والثاني : لو صبّ الطعام أو الشراب في حلقه كرها ، أو حال النوم - لا يبطل صومه ، والإكراه لا ينافي الإمساك . وقولنا : « عن المفطرات » وهي ثلاثة : دخول داخل ، أو خروج خارج ، والجماع . وحدّ الدخول : كلّ عين وصل من الظّاهر إلى الباطن من منفذ مفتوح إلى الباطن ؛ إما إلى الدماغ ، وإما إلى البطن وما فيها من الأمعاء والمثانة ، أما الدّماغ فيحصل الفظر بالسّعوط ، وأما البطن ، فيحصل الفطر بالحقنة ؛ وأما الخروج ، فالقيء [ بالاختيار ] ، والاستمناء [ يبطلان الصوم ] ، وأما الجماع فمبطل للصّوم بالإجماع . وقولنا « مع العلم بكونه صائما » فلو أكل أو شرب ناسيا ، لم يبطل صومه عند أبي حنيفة ، والشّافعيّ ، وأحمد ، وعند مالك يبطل . وقولنا : « من أوّل طلوع الفجر الصّادق » ؛ لقوله تعالى : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [ البقرة : 187 ] وكلمة « حتّى » ؛ لانتهاء الغاية .

--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 77 .