عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
287
اللباب في علوم الكتاب
وكان الأعمش يقول : أول وقته إذا طلعت الشمس ، وكان يبيح الأكل والشرب بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس « 1 » ؛ ويحتج بأنّ انتهاء الصّوم [ من وقت ] غروب الشمس ، فكذا ابتداؤه يجب أن يكون بطلوعها ، وهذا باطل بالنصّ الذي ذكرناه « 2 » . وحكي أن أبا حنيفة دخل على الأعمش يعوده ، فقال له الأعمش : إنّك لثقيل على قلبي ، وأنت في بيتك ، فكيف إذا زرتني ، فسكت عنه أبو حنيفة ، فلمّا خرج من عنده ، قيل له : لم سكتّ عنه ؟ قال : فماذا أقول في رجل ما صام ولا صلّى عمره ، وذلك لأنه كان يأكل بعد الفجر الثّاني قبل طلوع الشمس ، فلا صوم له ، وكان لا يغتسل من الإنزال ، فلا صلاة له . وقولنا : « إلى غروب الشّمس » ؛ لقوله عليه السلام : « إذا أقبل اللّيل من هاهنا وأدبر النّهار من هاهنا فقد أفطر الصّائم » « 3 » ومن الناس من يقول : وقت الإفطار عند غروب ضوء الشّمس ، قاس الطّرف الثاني على الطّرف الأوّل من النهار ؛ فإن طلوع الفجر الثاني هو طلوع ضوء الشّمس ، كذلك غروبه يكون بغروب ضوئها ، وهو مغيب الشمس . وقولنا « مع النّيّة » ؛ لأنّ الصوم عمل ؛ لقوله عليه السّلام : « الصّوم أفضل الأعمال » ، والعلم لا بدّ فيه من النيّة ، لقوله - عليه السّلام - : « إنّما الأعمال بالنّيّات » ، ومن الناس من قال : لا حاجة لصوم رمضان إلى النيّة ؛ لأن اللّه تعالى أمر بالصّوم بقوله : « فليصمه » والصّوم هو الإمساك ، وقد وجد ، فيخرج عن العهدة ، وهذا مردود بقوله - عليه السلام - « إنّما الأعمال بالنّيّات » والصوم عمل . وقوله « ومن كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ » قد تقدّم الكلام عليها ، وبيان السبب في تكريرها . قوله : « يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ » تقدّم معنى الإرادة واشتقاقها عند قوله تعالى : ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا [ البقرة : 26 ] . و « أراد » يتعدّى في الغالب إلى الأجرام بالباء وإلى المصادر بنفسه ، وقد ينعكس الأمر ؛ قال الشاعر : [ الطويل ] 944 - أرادت عرارا بالهوان ومن يرد * عرارا لعمري بالهوان فقد ظلم « 4 »
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 77 . ( 2 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 5 / 77 . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 3 / 80 ) كتاب الصوم باب متى يحل فطر الصائم ( 1954 ) والبيهقي ( 4 / 216 ) والبغوي في « شرح السنة » ( 6 / 259 ) وفي « تفسيره » ( 1 / 164 ) والطبري في « تفسيره » ( 2 / 103 ) والحميدي ( 20 ) . ( 4 ) ينظر : البحر المحيط 2 / 49 ، والكامل 1 / 273 ، وشرح الحماسة 1 / 280 ومعجم الشعراء ( 22 ) والدر المصون 1 / 468 .